الاثنين - 27 سبتمبر 2021
الاثنين - 27 سبتمبر 2021

بين النغمة المصرية والعصرية

من دون شك تعد الحضارة المصرية من أقدم حضارات العالم، في شتى الأصعدة العمرانية والفنية بالخيال الحالم، وهذا ما أكدته عمليات البحث عن الآثار، أثناء استخراج ما لم يتقبل الاندثار، حيث يعود تاريخها إلى أكثر من 8000 سنة قبل ميلاد المسيح، وقد اعترف الفلاسفة اليونان بحضارتها بشكل واضحٍ وصريح، بل وأكدوا في أبحاثهم ودراساتهم أن أنغام «أم الدنيا» هي الأرقى بين الشعوب القديمة، من حيث تطور الآلات ونوعية الأنظمة والممارسات الموسيقية الحكيمة.

مع العلم بأن الكثيرين كانوا يعتقدون أن مصر لم تعرف سوى النغمة البدائية، التي لا تتعدّى الــ3 أصوات لتحديد النبرة الغنائية، إلاّ أن ما ظهر في الصور والمنحوتات الفرعونية، يعتبر إثباتاً قاطعاً وبالطريقة الصحيحة القانونية، على تعدد أوتار آلاتها، وبالتالي تعدد أصواتها، فقد عثر الباحثون خلال فترةٍ ليست بالوجيزة، على نموذجٍ في مقبرةِ أهرام الجيزة، وذلك (آلة) مسقط رأسها بلاد نهر النيل، صُنعت أوتارها من أشجار النخيل، بإتقانٍ ذكيٍّ أقرب إلى المستحيل، فهي تشبه آلاتنا الحديثة في بعض التفاصيل، ولكن الفرق أن الأوروبيين اعتمدوا كتابة النوتة لتسجيل أعمالهم، بينما رسم المصريون أيديهم في الهواء لتدوين ألحانهم، وهكذا يبقى الجميل بل الأجمل من مختلف معاني الجمال، إننا اليوم لا نزال نستخدم «حركة اليد» لتعليم الموسيقى للأطفال، في جميع أنواع الدّورات وأشكال التدريبات والدروس، وكأنها أول المبادئ وأهم الأساليب والطقوس.

مع مرور الأيام وانقضاء الزمن، وتراكم الأحلام وتكاثر المحن، خاضت مصر كماً هائلاً من الأحداث البعيدة، والتغييرات الأكيدة، والتقلبات العديدة، واجهت خلالها الكثير من الأهوال الصعبة الشديدة، إلى أن أنجبت هذه الأوجه العصرية الجديدة، لتتكوّر بسلاسةٍ مع كل عصرٍ من العصور، ولتندمج حد الثبات والحضور، بل لدرجة الانطلاق والظهور، فهكذا تميزت برغم التفوق المقيد والنجاح المحصور.
#بلا_حدود