الجمعة - 17 سبتمبر 2021
الجمعة - 17 سبتمبر 2021
No Image Info

أمنيات صاحب شعار «ليرحلوا جميعاً!»

د. واسيني الاعرج
أكاديمي وروائي مقيم بفرنسا، عمل في جامعة الجزائر المركزية، قبل أن يلتحق في 1994 بجامعة السوربون في باريس. يسهم بتحليلاته الثقافية والسياسية في صحف عربية كثيرة، حصل على جوائز مرموقة منها جائزة الشيخ زايد للآداب.
كُثْرٌ يتساءلون عن هوية الشاب الذي أصبحت كلمته: «يتنحاوا قاعْ»، أي على الجميع أن يرحلوا، شعار الحراك الجزائري، الذي استغله كل واحد كما أراد، لكن فيه إجماع عليه وعلى جدواه، بل أصبحت تلك الجملة ماركة مسجلة فقد خرج الشاب سفيان تركي من اللامكان، من داخل رماد الحراك ونضاله، واخترق مساحة التصوير بالقوة، وكأن قدراً ما قاده إلى ذلك المكان، عندما سمع مراسلة «سكاي نيوز عربية»، وهي تتحدث بحماس عن تهنئة الجزائريين لبعضهم البعض، بعدم ترشح بوتفليقة لعهدة خامسة، قائلاً: «هذا غير صحيح.. لسنا مقتنعين بهذا التغيير.. لقد استبدلوا قطعة شطرنج بأخرى.. يتنحاوا قاعْ».. كررها مرتين، كأنه يريد أن يغرسها في الأذهان حتى لا ينساها أحد.

أصبحت كلمته مثل اللازمة التي يكررها الحراك كله، ولا يزال إلى يومنا هذا، لأنها تعبير عن جوهره، لدرجة أن قائد الأركان رد عليه قبل أيام، بأنها «تعبير متطرف»، على الرغم من أن قصديَّة الشاب سفيان كانت واضحة، وهي رحيل كل الذين تسببوا بخراب البلاد.

كلما سجن من العصابة شخص، أو استقال واحد من كبار الأسماك، ترددت جملة سفيان تركي، وشعاره العفوي والشعبي بين الجموع، مطالبين بالمزيد.

سفيان ليس رجل ثقافة، ولم يدّع ذلك يوماً في كل حواراته، حيث يردد في كل مرة: «قلتها من قلبي، لأنني كنت ممتلئاً ألماً، وكان يمكن لأي شاب في حالتي أن يأتي بمثلها وربما أحسن»، كما أنه ليس متحزباً، ولكنه مسلح بالدفاع عن الحق .. يشتغل في مطعم بيتزا، قدم ملفاً للحصول على عمل في المطار الجديد، وركض في كل الاتجاهات ولكن بدون جدوى، لأن المحسوبية والظلم الاجتماعي والواسطة البغيضة، أغلقت في وجهه كل الأبواب.

سفيان أب لطفلين، يتمنّى أن يصنع لهما مستقبلاً مقبولاً بمشاركته في الحراك، يعيشان في مجتمع عادل، وهو اليوم أيقونة بكل حيائه وخجله، يتفادى كثيراً من المعجبين، في الطرقات، في المحال، في الحراك نفسه في الجزائر العاصمة.. الذين يحبونه ويريدون التصوير معه كثر، ويبادلهم الشعور والمحبة نفسها.

مثله مثل كل بسطاء المجتمع المظلومين، الذين كثيراً ما عبروا عن آلامهم ويأسهم، بالدخول في دوامة المخدرات، أو الهجرة عبر البحار القاتلة التي تلتهم حتى جثثهم، أو العنف الذي يتحول إلى مسلك في الحياة كثيراً ما استغلته الحركات الدينية المتظرفة في أعمالها الإرهابية.

من حيث لا يدري، خلق سفيان شعاراً هو الأصدق والأبقى، إذ لا فائدة من ذهاب النظام وبقاء سدنته الأساسيين.. يسعى لأجل تغيير جذري ضد كل الذين نهبوا خيرات البلاد وحولوها إلى مكاسب خارج بلدانهم.

عندما سئل سفيان عما ينتظره من جملته، قال: لا شيء.. أتمنَّى فقط أن ترحل العصابة كلها.. أن يكون المستقبل أفضل على الأقل بالنسبة لابنيّ، وكل أبناء الجزائر الذين عاش آباؤهم إذلال هذا النظام وظلمه.
#بلا_حدود