السبت - 31 يوليو 2021
السبت - 31 يوليو 2021

العيــــــد في كَنَــــف أمي

د.عماد الدين حسين
كاتب وخبير قانوني دولي في تسوية المنازعات بالطرق البديلة، زميل معهد المحكمين البريطاني ووسيط معتمد في مركز تسوية المنازعات بلندن، محكم تجاري دولي ومستشار ومدرب دولي في مجالات التفاوض والوساطة والتحكيم.
من منا لا يناديه فيض الذكريات، حين تشتد غصة الافتقاد شوقاً وفرحاً وحنيناً لأيام أضحت للمرتحلين والمغتربين بساطهم السحري العابر لكل الحدود الجغرافية في مجرتنا الأرضيّة.

أقبل العيد وأقبلت معه أمي.. قسيمة الحياة، وموطن الشكوى، وعماد الذكريات.. بقلبها الصافي النقي، وروحها المفعمة بالرضا واليقين، هي نبضٌ لا يغادر فؤادي، ودمٌ سارٍ في شراييني.

أقبل العيد وعَلَت تراتيل فرحه لينثر زهور الذكريات، وليتوّج الأم ملكةً للياليه المبهجة، الدافئة بدفء أنفاسها التي تزيد العيد فرحة وجمالًا. نستقبل معها العيد بطقوسه المعهودة.. كعكٌ كالعطر يفوح شذاه من بين أنامل أمي، ليشتم رائحته الأبناء والجيران، وينتشر عبقه في كل الأرجاء.. نجالسها في تلك اللحظات فننعم بجميل حكيها، ودقة صنيعها، فهي نبع الألفة، ومجتلى القريحة.

جوٌّ يسوده الوئام، وتستشعر فيه الدفء والحنان.. حين تدور بنا الأيام وتطحننا طواحين الأسفار، وتقتلنا اللهفة، وتغادرنا البهجة، ونبحث عن مَرسى لنحطّ رحالنا.. نتذكر تلك اللحظات، فترتسم شفاهنا بالابتسامة معلنةً عن حنين لا تحدّه حدود، وسكينة قلب لا تعدلها سكينة.

حين يهمس في أذني صوت أمي، لتمنحني الكعك مع كوب شاي يمتزج بالحليب، مداعبة خدي بيديها، يكتسي وجهي فرحاً كدت أنسى ملامحه، فتمتلئ لحظاتي بصوتها وهمسها وعذب حضورها.. فلا شيء يجلب السعادة أكثر من أن أحتسي مع هذا الكوبِ دفءَ مشاعر أمي.

لحظاتٌ تأخذك إلى عالم الصفاء والنقاء، وتبعدك عن عالم العراك والصراع، وتمنحك شحنة أمل تقهر بها العقبات والعثرات، وتطوف بك بعيداً عن عالم ابتلعك واحتبسك في طواحينه بين حجر الرحى.

ما زلت أتساءل: كيف أبدعت أمي في جمال هذا الكعك الذي كان ضيفاً لا يُخطئه أنف، وكأنه رحيق العمر بعد شهر الصيام؟ كعك ذو مذاق خاص.. لم تكن تدخل في مكوناته الملونات والمنسمات والمقادير الدقيقة والأشكال المنمقة.. مكونات كعك أمي سهلة وبسيطة، مقاديره حب ووئام.. أوقدت عليه في فرن فؤادها ليستوي بدفء مشاعرها.

أحنُّ إلى كعك أمي.. ولمسة أمي.. وصدر أمي.. وأعشق عمري لأنه بضعة من عمر أمي.

الأم نبع وجود وشريان حياة وأمل يحتويك كلما نازعتك الآلام لتهبك الأم الآمال.. الأمُّ عنوانٌ دائمٌ مهما تعددت أسفارك ودروبك، وتعاقب شروقك وغروبك، فحتماً تبقى الأمُّ عنواناً في حضرة غيابك..

كل عيد يا أمي وأنتِ عنوانه.
#بلا_حدود