الجمعة - 23 يوليو 2021
الجمعة - 23 يوليو 2021

على يديها نقش الحنّاء

سارة المرزوقي
باحثة دكتوراه إماراتية في قيادة المؤسسات التعليمية، حاصلة على ماجستير الآداب في الاتصال، مارست العمل في الصحافة وقدّمت عدة برامج تلفزيونية، لها خبرة مهنية في المؤسسات الثقافية والتعليمية منذ عام 2006.
في طفولتي كنتُ أراقب والدتي في كل موسم عيد وهي تحضّر بنفسها معمول التمر والجوز والفستق، وكان أكثر ما يرضي حواسي في ذلك الوقت، رؤية العجين يُكبس في قالب خشبي بنقوش آسرة ثم يُضرب على الطاولة فتخرج القطعة بهوية قوية ومتماسكة.

كانت مسألة تبدّل العجينة من حالٍ إلى حالٍ بالنسبة لي أمرٌ مدهش .. كنتُ أمرر أصابعي وأتحسّس مواضع الحفر في هذا القالب العجيب .. هنا خط دائري رصين، وهنا نجمة، وهنا هلال.

لم أكن أتمالك نفسي فكنت كثيراً ما أمد يدي لالتقط كرة صغيرة من العجين، أقلّبها قليلاً، ثم أستمتع برائحتها العطرية وهي تلين تحت ضغط إصبعي داخل القالب الخشبي.

لم يكن صنع يدي مثالياً، لكن والدتي كانت تحتفظ بقطع المعمول التي أصنعها لأتناولها وأستشعر إنجازي المتواضع.. كنتُ أدرك أنه متواضع، ورغم ذلك كنتُ سعيدة به.! وعلى الرغم من أنني كبرتُ ولم يعد قالب المعمول السحري يلفت انتباهي كالسابق، فقد سرقتني الكتب والأفلام وأكوام الورق والحبر، إلا أنها أحياناً لم تشعرني بالرضا والإنجاز كقطعة معمول وحيدة متصدّعة الأطراف صنعتها بيدي في الطفولة.

أعتقد أن السبب يكمن في رغبتي برؤية نتيجة آنية ملموسة، والكتب والأفلام لم تكن تعطيني ذلك، كانت تعطيني لحظاتٍ تحرّض على التأمل والتفكير، أحياناً يكون الأمر، رغم متعته، مرهقاً ويأخذ وقتاً أطول من المعتاد، لذا كان المعمول خياراً أسهل .. وربّما ألذ.! الرائحة الثانية المغروسة في زاوية كل عيد وفرح مبكّر، هي رائحة الحناء، إذ لم أكن شغوفة بالحناء في صغري، لأنني لم أكن مقتنعة بفكرة بقائي متسمّرة حتى تجفّ. لذا يحدث كثيراً أن أبدأ بالحركة ضاربةً بقواعد التجميل عرض الحائط، ولكن قلّت الرغبة في الحركة الزائدة بطبيعة الحال مع تقدّم العمر، واستحسنتُ سماع الكتب الصوتية ومشاهدة برنامجي المفضل أثناء ساعة انتظاري.

خلال هذا الانتظار، يتم تفريغي من المهام، ينتشر الخبر في أرجاء المنزل، «على يديها نقش الحنّاء»، ألوّح بيدي مؤكدة، وبينما تقيّدني الحنّاء في مكاني بلا قدرة على فعل شيء، بمنتهى الهدوء والثبات، تتسلّل رائحة المعمول من ركن آخر من المنزل لتحرّرني.

أعيد ترتيب المهام في ذاكرتي، لا تزال هنّاك مسرّات صغيرة حيّة تنتظر، وربما كانت تلك «تصبيرة» كافية لأشعر بالإنجاز.
#بلا_حدود