الخميس - 23 سبتمبر 2021
الخميس - 23 سبتمبر 2021

ما قبل «العاصوف».. وما بعده

مالك العثامنة
إعلامي أردني مقيم في بلجيكا، متخصص في شؤون الشرق الأوسط والدراسات التحليلية والرصد الإعلامي. له مقالات في عدة صحف عربية، محلل سياسي على قنوات تلفزيونية ناطقة بالعربية
في رمضان الذي تركنا قبل قليل، لم أكن من متابعي أي من مسلسلاته وبرامجه، نظراً لازدحام برنامج العمل وبرنامج القراءات الضرورية، هذا فضلاً عن برنامج الأسرة ومتطلباتها، لكن مسلسلاً واحداً هو الذي كنت أضبط عليه إيقاع مواعيدي ليكون مثل ساعة الصفر في توقيت غرينتش، وهو مسلسل «العاصوف».

القصة لا تكمن في حبكة «أحداث الحرم المكي» وحسب، بل فيما سبق ذلك من إرهاصات حاولت القصة الدرامية في المسلسل شرحها بصرياً، وهي إرهاصات تعكس نمواً اجتماعياً صعباً وعسيراً لكنه طبيعي في سياقه لمجتمع الدولة السعودية، وهو مجتمع متنوع ومتعدد فيه البداوة والحضر والريف والجبل والبحر بكل تفاصيل الشخصيات الجمعية لكل مجتمع أياً كان.

الإبداع البصري كان واضحاً في نقل المشاهد بتفاصيل مرحلتَي السبعينات ومطلع الثمانينات، بما يتماهى مع متن الرواية المحبوكة بعفوية جميلة منسوجة حول عائلة سعودية يتزامن تطور أفرادها ومعيشتهم مع تطور الدولة والمجتمع السعودي، كما يتأخر هذا التطور للأفراد ومعيشتهم بتأخر تطور المجتمع السعودي، وهي التفاتة عميقة طرحها العمل ولم يخفها من خلال قوى التغيير الرجعية التي تسللت من ثغرة حادثة الحرم المكي وتوطنت بأفكارها السلفية في ثنايا مجتمع محافظ جداً وحذر أمام التغيير السريع والمتسارع بعد فورة النفط.

الأخطر ربما كان تلك الإشارات الواضحة لمؤثرات من خارج المجتمع، استقرت فيه ثم شاركته المواطنة (توطَّنت وتمددت) عبر المصاهرة والزواج وبغلاف التدين، فكان تسلل رموز من تيار الإخوان المسلمين (وقد فشلت مخططاتهم في مصر وبلاد الشام)، إلى ثنايا المجتمع السعودي، وتسلقهم الهرم الاجتماعي ثم ولوجهم بخبث في مفاصل الإدارة العامة، خصوصاً في جهاز التعليم والوعظ، وكل ما يمكن له أن يؤثر في تنشئة الأجيال.

ثم كان التواطؤ بخلق جيل «لامنتمٍ» تم تعبئته وتجميعه في أفغانستان لتتم إعادة تصديره إلينا بعد نهاية الحرب هناك، ليجد في تربة التطرف الخصبة في عالمنا العربي المعجون بالقهر والفقر والفساد مستنبتاً نموذجياً لاستنبات كل أفكار التعصب والكراهية والإقصاء.

العاصوف يفتح نافذة صغيرة على محيط من المعرفة المتاحة عبر قراءات تاريخية متوفرة وموجودة، وحافزاً لقراءة تلك المرحلة، والعودة بالمجتمعات نحو تلك النقطة في التطور ما قبل الشلل الفكري والتعصب المتطرف.

على ضفاف الثناء للمسلسل، فإن ممثلا واسع الثقافة والتجدد مثل ناصر القصبي مع فريق عمل متمكن كان لا بد أن يكون مخرجه سوريا مبدعا مثل المثنى صبح، أما على ضفاف النقد.. فإنني لم ولن أفهم عبثيَّة التجميع المسلوق في الحلقة الأخيرة من هذا العمل المحترم.
#بلا_حدود