الاثنين - 20 سبتمبر 2021
الاثنين - 20 سبتمبر 2021

«زنقة الرّيح» .. الفن أقوى من الخراب

خلود الفلاح
كاتبة صحافية وشاعرة، محررة في عدة صحف ومجلات ليبية وعربية، تُرجمت نصوصها إلى الفرنسية والألمانية، اختيرت من بين 100 شاعرة في العالم العربي
منذ أيام قليلة انتهى عرض المسلسل الليبي «زنقة الريح»، هذا المسلسل ينطبق عليه الرأي القائل ما تفرقه السياسة يجمعه الفن والأدب، فقد أثار هذا المسلسل ـ الذي مثّل حضوراً ليبياً، محلياً على الأقل ـ بحلقاته العشرين ـ ضجة واسعة على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، تشيد بالعمل الذي توافرت له كل الإمكانيات الفنية والإخراجية والديكور والإكسسوارات المتعلقة بالفترة التاريخية التي يناقشها المسلسل.

المسلسل نحج بكل المقاييس، ذلك أن ذوي الاختصاص اعتبروه نقلة نوعية ومهمة على مستوى الدراما الليبية، بل ويمكنه أن يظل عالقاً في ذاكرة متابعيه كالأعمال المهمة التي قدمها التليفزيون الليبي منذ افتتاحه في 24 ديسمبر 1968، ومن أهمها مسلسلات: السوس، والهاربة، والكنة، وطريق الشوك وغيرها.

مسلسل «زنقة الريح»، الذي ألَّفه الكاتب عبدالرحمن حقيق وأنتجه وأشرف عليه وليد اللاَّفي، وأخرجه أسامة رزق، ضمّ أكثر من 250 فناناً وفنانة من ليبيا والوطن العربي، وصورت مشاهده في تونس، جسد شخصياته حسن قرفال، فتحي كحلول، واصف الخويلدي، محمد بن يوسف، العماري المجدوب، وهند عُرفيَّة.

المسلسل يستنطق الذاكرة التاريخية، فهو يتناول فترة حكم الإدارة البريطانية لليبيا، تحديداً إثر هزيمة إيطاليا في الحرب العالمية الثانية، أي عام 1945، في المدينة القديمة بطرابلس، وهي حقبة صعبة اقتصادياً واجتماعياً تعايش فيها الليبيون على اختلاف طوائفهم، مسلمين ويهوداً، رغم تمييز البريطانيين للجاليات اليونانية والإيطالية، التي كانت تعيش في ليبيا آنذاك على حساب أبناء البلد.

إن إعادة إحياء التاريخ الليبي من خلال الأعمال الدرامية لا يتوقف عند حدود التذكر، الذي يؤرقنا جميعاً حين نصبح ونمسي في ظل أوضاعنا الراهنة، ولكنه يعيد طرح المعنى الوجودي، ويعتبر ما يحدث اليوم في بلادنا مرحلة عابرة ـ على ما فيها من مآسٍ ـ وأن الأصل بيننا هو التعايش والتكاتف والمحبة.

وكما يقول الأديب الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس: «إن وظيفة الفن التحررية تكمن في قدرته الفريدة على الحلم ضد العالم، وتشييد عوالم تكون مختلفة تماماً»، وما تجمع الليبيين حول مسلسل «زنقة الريح» إلا رغبة منهم في دعم الدراما الليبية، التي كانت في سبات طويل، وفي الجانب المقابل نجح صناع المسلسل في اثبات أن الفنون والآداب يمكنها أن تكون فاعلة ومؤثرة في حياة الناس، وأن رسالة الفن أقوى من الخراب.
#بلا_حدود