الاثنين - 15 أبريل 2024
الاثنين - 15 أبريل 2024

ثقافة الصيف.. وفن «النيروز» العُماني

إذا كانت الثقافة تدل على أسلوب الناس وطريقة حياتهم في مجتمع ما، فإن هذا الأسلوب وتلك الطريقة يرتبطان بأنشطتهم اليومية ويتجليان في إنتاجهم الحضاري، ولهذا فإن فصول العام ليست فصولاً دالة على الزمان وحسب بل، هي علامات ذات أبعاد اجتماعية، تصنع منها المجتمعات ثقافة إنسانية قائمة على التواصل بين أفرادها وبين الكون من حولهم؛ ذلك لأن الفصول الأربعة تشكل فضاءات كونية تدفع الإنسان إلى عقد مجموعة من العلاقات التواصلية، ليجعل منها دلائل تواضعية وتصويرية تتأسس عليها ثقافته.

ولهذا فإن فصل الصيف لا يعني أشهراً للإجازة الدراسية أو للسفر والمتعة وحسب، بل هي أشهر قامت خلالها مجموعة من الطقوس والعادات والتقاليد رسخت مبادئ اجتماعية عديدة، وأسست نظاماً سياسياً واقتصادياً مهماً للفرد والمجتمع، ولعلَّنا في منطقة الخليج العربي كلها نتذكر فصل الصيف بـ (القيظ) أو (المقياض)، وهي أشهر الصيف التي تترك فيها الأسر بيوتها متجهة إلى السهول الزراعية لتعيش في بيوت مؤقتة في المزارع، هاربين من الحرارة الشديدة على السواحل والصحراء، مخصصين أوقاتهم لرعاية النخيل وجني ثماره ليعودوا بعدها محملين بخير الأرض وتمورها لتكون طعاماً لهم في فصول العام كله.

إن فصل الصيف يرتبط في مجتمعاتنا بطقوس وأهازيج لا توجد في غيره، فطقوس الزراعة الصيفية وجني ثمار الرطب، وتلك الأهازيج التي يرددها أفراد المجتمع أطفالاً ونساء ورجالاً وهم يعملون بيد واحدة خاصة بهذا الموسم دون غيره، بل إن هناك طقوساً وفنوناً لا تُقام إلا في فصل الصيف، سواء في بدايته أو في نهايته كما هو الحال في فن (النيروز)، الذي تتميز به بعض المحافظات الساحلية في سلطنة عمان، وهو فن يُقام نهاية موسم (القيظ) عندما (يتربع الناس) أي ينتهون من جني محصول التمور وتعبئته، ليعودوا أدراجهم إلى بيوتهم في الساحل.


هكذا تبدأ النساء في غرس نبات النيروز في أوعيته، وقطف بعض أغصان الأشجار التي ستحملنها في المسيرة، بينما ينشغل الرجال في تحضير (الدمبوشة) ـ خيل مصنوعة ـ لتبدأ مسيرة النيروز من المزارع إلى الساحل فالبحر الذي تُرمى فيه النباتات والأغصان وتخوض في مياهه (الدمبوشة) رمزاً لطلب الخصب من خير البحر، وشكراً لله على كرم الأرض الزراعية، كل ذلك في أهازيج وفنون خاصة يشترك فيها أفراد المجتمع كلهم.


إنه فصل الصيف، الذي يمثل فضاءً كونياً خاصاً له أنساقه وسياقاته المترابطة التي يُنشئ الإنسان خلالها عالماً ثقافياً له وظائفه التواصلية المتبادلة، مع الفضاءات الكونية الأخرى التي تؤسس ثقافة المجتمع وهُويته الخاصة.