الأربعاء - 29 سبتمبر 2021
الأربعاء - 29 سبتمبر 2021

ما يحرك الروح

أفكر في فريدا كاهلو وهي على فراش مرضها ترسم، أفكر بالآلام المضنية التي لعلها في حالة ميؤوسة كحالتها كانت هي المعنى، أفكر في كيف أنها راحت تعكس هذا الألم في لوحات كثيفة وفاقعة ومعبرة، وبعد رحيلها بسنوات، دون تبرير ودون شرح نتقاطع مع تلك السيدة المأزومة التي تشكلها فريداً في غالب لوحاتها، لكنني أفكر هنا أيضاً أنها في خضم كل المعاناة تلك بين المرض والعمليات والمشفى، بقيت حية وحيوية كتشكيلية لأجل عامل واحد ذلك المتمثل في الاستمتاع. في رواية للفرنسي جورج بيرك بعنوان النائم، يحاول طالب جامعي شاب أن يفقد حياته المعنى، يتوقف عن رؤية الآخرين، عن الذهاب لأماكنه المعتادة والتفاعل مع روتين حياته كما كان، ينفصل عن الأهداف الكبرى ويمضي في ذات حيز حياته السابق لكن غريباً ومغترباً عن كل شيء، شيء ما في نبرة الراوي وهو الطالب نفسه، يجعلك تشعر أن يستمتع بما يفعله بعد أن شعر بأن كل ما سبق كان خالياً من المحرك الرئيس المتمثل في المتعة، لاحقاً يفيق النائم من اغترابه، لكنه يرفض أن يتخلى عن المتعة.

في عموم القول هذه ليست دعوة لتفريغ الأشياء من معانيها بالطبع وإنما دعوة لمنحها بعداً حيوياً وإنسانياً قائماً على المتعة والشغف.. ليجعل تلك الخطوات المعدة للهدف أقوى وأقرب للمتلقِّي دون أن تمسخ المانح من إنسانيته في سبيل تحقيق أهدافه الكبرى، لكن قد يكون من الملائم أن نذكر أننا نتحدث هنا عن المتعة بمفهومها العميق لا السطحي الضيق، في عصر يركز على المتعة بمفهومها اللحظي وينسى حفرها العميق في الروح للوصول إلى الغايات المهمة، المتعة التي تأتي من الداخل، والتي تبقى، لترافق الشغف، والتي تجعل إنساناً ما مصراً وعازماً على أن شيئاً صغيراً قد لا يلاحظه كثر يمنح روحه الخفة والحبور، ويجعلها تجد خارطة طريقها في العتمة.
#بلا_حدود