الاحد - 01 أغسطس 2021
الاحد - 01 أغسطس 2021

تونس .. الشعبوية وفشل الأحزاب

عبدالجليل معالي
كاتب صحفي تونسي. حاصل على شهادة الأستاذية في التاريخ. صحفي في جريدة العرب الدولية منذ أكتوبر 2012. له كتابات في مجلة الهلال، وجريدة الأهرام، ونشرية مقاليد، فضلاً عن كتابات في صحف تونسية عدة.
الأرقام التي أفرجت عنها استطلاعات الرأي الأخيرة في تونس، التي صدرت وسط الأسبوع، كانت دالة على الملامح الكارثية التي تسم المشهد السياسي التونسي.

سبر آراء أجرته مؤسسة خاصة حول نوايا تصويت التونسيين في الانتخابات التشريعية والرئاسية لعام 2019، نشر الأربعاء الماضي، أفاد بتصدر صاحب قناة نسمة الخاصة، نبيل القروي، قائمة نوايا التصويت متقدماً بفارق ضئيل على أستاذ القانون الدستوري قيس سعيّد، تليهما عبير موسي، رئيسة الحزب الحر الدستوري (سليل حزب الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي) ثم الرئيس يوسف الشاهد رئيس الحكومة الحالية.

في ما يتصل بالانتخابات التشريعية تصدر حزب نبيل القروي، وللمفارقة هو حزب لم يتم الإعلان بعد عن تشكيله، نوايا التصويت متفوقاً بفارق كبير على حزب حركة النهضة.

بصرف النظر عن مصداقية هذه النتائج، اتصالاً بحجم العينة أو بالمؤسسة التي أقدمت على إنجازها أو صلتها ببعض الأحزاب السياسية، وبصرف النظر أيضاً عن توقيتها (قبل شهر من منع نشر نتائج الانتخابات بناء على قرار الهيئة العليا المستقلة للانتخابات)، فإن النتائج التي وصفت بالزلزال كانت كاشفة لمفارقات كثيرة تغمر الساحة السياسية التونسية.

دلت نتائج سبر الآراء الأخير على مستويين من الخطر الذي يتهدد المستقبل السياسي لتونس، الأول: يتصل بتراجع مصداقية الفاعل السياسي التقليدي، سواء كان حزباً أو شخصية سياسية، مقابل صعود أسهم شخصيات طارئة موسومة بخطابها الشعبوي العازف على أوتار حساسة لدى الفئات الشعبية.

والخطر الثاني: أن جمهور الناخبين حين يقرر معاقبة الأحزاب فإنه يمكن أن يستدرج إلى الساحة بدائل قد تكون أكثر سوءاً.

المشهد السياسي التونسي وُسم منذ سنوات بالفجوة الكبيرة بين اهتمامات الأحزاب والشخصيات السياسية، وبين هموم الواقع واهتمامات التونسيين.

كان السياسي يبرمج خطواته بقياسات انتخابية، فيما كانت انتظارات التونسيين في مدارات أخرى، ومن هذه الفجوة تسلل الخطاب الشعوبي، فكانت بذلك نوايا التصويت نوعاً من العقاب المسلط على الطبقة السياسية برمتها.

صعود نبيل القروي، كما صعود أسهم قيس سعيد، كما الرهان عن حزب لم يشكل بعد، هي تعبيرات صادقة عن تصدعات طالت المشهد السياسي التونسي من حيث فقر برامجه وانعدام صلته بالواقع، لذلك فإن جمهور السياسة حين يقرن العزوف السياسي بالتصويت العقابي، فإنه يذهب بذلك صوب شعبوية أكثر ضحالة من المشهد الراهن.

يستجير التونسي من نار الأحزاب القاصرة عن الفعل، برمضاء الطارئين، والمشكلة ليست في الناخب بقدر ما تقتضي إعادة تعريف الفاعل السياسي وأدواره وبرامجه.
#بلا_حدود