الاحد - 14 أبريل 2024
الاحد - 14 أبريل 2024

مسألة الوعي

يميل البعض إلى اختزال فكرة الوعي في إدراك العالم المحيط والوعي المعرفي التام بتفاصيله وما يحدث فيه، على امتداد تاريخي يبدأ منذ أن أدرك الإنسان مهاراته الأولى المتمثلة في التفكير والتحليل والقدرة على الخلق تدويناً ورسماً وغيرها من أشكال تحويل ذلك الإدراك إلى مادة ملموسة، هذا التعريف الذي اتخذ مكانه الراسخ في الذاكرة الحضارية الجمعية، لتجد أن أغلبنا مشغول بالخارج أكثر مما هو مشغول بالوعي بما يعتمل بداخل ذاته المفردة ومن هنا يبدأ الخلل.

عندما كان سقراط باعتباره معلماً للفلسفة، يبدأ بتعليم تلامذته الوعي، كان يختار أن يخضعهم لاختبار المرآة، أن يجعلهم يتوقفون أمام مرآة مسطحة ليحدقوا بذواتهم، فالمعرفة بالعالم كما يراها مفترضة هي تلك التي تبدأ من المعرفة بالنفس، ومن غيرها فإن الوعي بالعالم سيكون محض عبث، البداية هي من هناك والمنتهى أيضاً، ولعل إصرار «سقراط المتجذر على هذه المسألة هو ما جعل الرسام بيير فرانسيسكو مولا يجسد هذه العملية في لوحته الشهيرة» سقراط معلماً الوعي «التي تظهر أفلاطون وبعض تلامذة سقراط الآخرين يحدقون في المرآة بشيء من الدهشة، يراقبهم سقراط الذي يحمل المرآة لتستند على ذراعه باهتمام، حادثة المرآة تلك كانت البداية التي ستعقبها سلسلة من السجالات المتنوعة بين المعلم والتلميذ، والتي ستمتد بعد وفاة المعلم لتكرس نمطاً يتجدد لكنه مبني على أساس راسخ، هو وعي «أفلاطون» الهائل بذاته، الذي أهله لأن يفلسف ما حوله.. ويؤسس لمدرسة جديدة بدوره.

يكون من المربك جداً أننا عندما نتحدث في مسألة الوعي باعتباره بعداً فلسفياً فإننا نعود آلاف السنوات إلى الوراء متحدثين عن سقراط وأفلاطون وغيرهما في حين أننا ما إن نتناول مسألة علمية بالمجمل فأننا نسقطها أولا على الوقت الراهن بما وصلت إليه لنعيدها لاحقاً إلى الجذر، ما يجعلنا نربط تطور الوعي الفلسفي بالعودة دائماً للداخل في عالم يوجهك غالب ما فيه نحو التفاعل مع الخارج إبهاراً وتسطيحاً.


يكون من المربك عندما نتحدث عن الوعي باعتباره بعداً فلسفياً أن نعود آلاف السنوات إلى الوراء.