السبت - 20 أبريل 2024
السبت - 20 أبريل 2024

اعتراف «المازني».. وسُرّاق هذا الزمان

لاحظ عدد من النقاد وجود عدة فقرات في أحد أعمال إبراهيم عبدالقادر المازني منقولة بنصها من أحد الكتب الأجنبية، فأشاروا إليها، واتهم المازني بالسرقة الأدبية، مع أنه كان شاعراً مجدداً وقصاصاً موهوباً وناقداً وصحفياً متميزاً، وامتلك أسلوباً سهلاً، سلساً، وعميقاً في الوقت ذاته، وعلى الرغم من موهبته الكبيرة فقد هز ذلك الاتهام صورته ومصداقيته، وحاول هو أن يبرر ما حدث بأنه كان بصدد ترجمة أحد الكتب الأجنبية، واختلط الأمر عليه فنقل تلك الفقرات داخل عمله من دون أن ينتبه، ولم يكن ذلك التبرير مقبولاً ولا مقنعاً للكثيرين، وإن كان هناك من تفهّمه.

وتمضي السنوات لنجد المازني يكتب مقالاً في مجلة الهلال - عدد يناير 1948 - بعنوان «كهولتي خير من شبابي» تعرض فيه لهذا الاتهام الذي وجّه إليه، واعترف به؛ يقول: «كنت أراجع الكتب أكثر مما أراجع عقلي، أي أني كنت لا أفكر بعقلي ولا أنظر بعيني، بل أفكر بعقول غيرى وأنظر بعيونهم، ولهذا كانت شخصيتي مستترة وقلّما تتبدَّى، وكان الذي يتبدى هو اطلاعي، أي ثمرة دراساتي وقراءاتي، ولهذا اتهمت بالسطو على آثار الآخرين».

ويضيف المازني قائلاً: «وللتهمة وجه، لأن عكوفي على الكتب كان يبدو أثره فيما أكتب أو أنظم؛ ثم إني طوال عمري ضعيف الذاكرة سريع النسيان، فكان معقولاً أن تعلق المعاني بذهني حتى إذا كتبت شيئاً أو نظمت شعراً، وخطر لي بعض هذه المعاني، توَهَّمْتها ابتكاراتي وقد تنبهت إلى هذا الضعف، لما رأيت غير واحد يتهمني بالسرقة الأدبية، فتحرزت جداً، وما أظن الآن أن أحداً يذهب إلى أني أسطو على غيري والحمد لله».. وعلى هذا النحو يقر بصحة الاتهام، ويحاول أن يجد له تفسيراً، ثم إنه يؤكد الإقلاع عنه.


في وقتنا الحاضر بات من المعتاد أن يصدر كتاب لكاتب ومعظمه منقول، وإن شئنا الدقة مسروق من كاتب آخر قد يكون عربياً من الأحياء أو الأموات، وقد يكون أجنبياً؛ ويتصور السارق أن لا أحد سيكشفه وأن اللغة الأجنبية حكر عليه وحده، ولأن الحركة النقدية باتت ضعيفة فلا أحد ينبه السارق.


في المقابل فإن لصوص وسراق هذا الزمان باتوا يتمتعون بصفاقة شديدة، فلا يضايقهم الاتهام، بل الأدهى أنهم يتصورون أنفسهم أصحاب إنجاز فكري ونقدي أو إبداع أدبي، ويلحّون على نيل الجوائز والتقدير الرسمي والأدبي، وبعضهم يتصور أن هناك مؤامرة عليه وحالة اضطهاد له، وسمعت من أحدهم بالنص «الكل يسرقون، فلماذا أنا.. ؟»، ورحم الله المازني وعصره.