الجمعة - 30 يوليو 2021
الجمعة - 30 يوليو 2021
No Image Info

التكلفة الخفية للخصومة المعرفية

د.عماد الدين حسين
كاتب وخبير قانوني دولي في تسوية المنازعات بالطرق البديلة، زميل معهد المحكمين البريطاني ووسيط معتمد في مركز تسوية المنازعات بلندن، محكم تجاري دولي ومستشار ومدرب دولي في مجالات التفاوض والوساطة والتحكيم.
لم تعد الغربة مرهونة بقطراتِ تعبٍ تقطر من أشعث أغبر، أو ذي هندامٍ أنيق وسمتٍ مرموق، أخذته الأسفار، وقذفت به لقمة العيش بعيداً، بل غدا التعايش مع أحوال الكثير من مجتمعاتنا كفيلاً بأن يجعلك تقاسي أشدّ أنواع الغربة وأكثرها إيلاماً.

ما إن تجود عليك بنات أفكارك بمبادرة تطويرٍ أو مشروع تمكين، حتى يسارع صنف من البشر باعتلاء المنصّة للإدلاء بترهاتهم، ظاهرهم المودّة والإخاء، وباطنهم المكر والخواء، وديدنهم الأخذ لا العطاء، ولا يتوانى هؤلاء عن التربّص بفكرتك، والتنكيل بطرحك، بل ونسبها لأنفسهم بثقة جسورة من دون خجلٍ منك أو وجل.

في حين يرى البعض أن فشل المشروعات مردُّه سوء الإدارة وعدم كفاية رأس المال وغياب التخطيط، فقد أرجعه آخرون لغياب الدعم المعرفيّ والمعنويّ، وهذا ما أكدته شركة (IBM) في استطلاعٍ لها شارك به 1500 مسؤول تنفيذي عن سبب فشل مشاريع ومبادرات التطوير، فانتهوا إلى أن أكبر عائق لنجاحها هو العامل البشري، حيث يعود فشلها لصعوبة تغيير العقلية والتوجهات بنسبة 58 في المئة، وغياب دعم الإدارة العليا بنسبة32 في المئة، لتواجه 70 في المئة من المشروعات مصير الفشل وفقاً لدراسة نشرتها مجلة هارفارد بيزنس ريفيو.

ولا يزال يقضّ مضجعك تشبّث أمثال هؤلاء بقشور المعرفة، فنصيبهم من الكفاءة المهنيّة هواء، وبصيرتهم عن أصول البحث العلمي عمياء، يطربون لحمدهم على ما لم يفعلوا، حتى يأتي اليوم الذي تهوي بهم أركان المؤسسة، وتخار قواها التنظيمية، ليتنصّلوا من مسؤولياتهم، ويلوذوا بالفرار.

ساعاتٍ نقضيها ما بين اجتماعات وسجالات وجعجعات ومكالمات وشكليات، على الرغم من أنه «لا علاقة طردية بين كثرة الاجتماعات والإنتاجية»، كما قال آيان هيوز من مكتبه ببريستول البريطانية، حتى تمضي الشهور والسنون بالمشروعات المجمدة والأفكار اليتيمة المغيبة في غياهب التباغض والتناحر إن لم تلتقِ المصالح، حينها لا تدهشك نتائج دراسة نشرها موقع (Doodle) أجريت على 19 مليون اجتماع عمل، بيّنت أن تكلفة الاجتماعات غير المجدية وصلت لـ 399 ملياراً بأمريكا، و58 ملياراً ببريطانيا.

إلى أعداء النجاحات والمتوجّسين من الإنجازات، سنة الله في أرضه ماضية، ونواميس كونه سارية، والعقبى للطامحين من أصحاب الرسالة قبل التجارة، فكونوا عنوان بناء بأفعالكم قبل أقوالكم، والأهم بنقاء قلوبكم، وبصمة طيبة لوجودكم قبل غيابكم.

طوبى للعارفين بالمكنون، المترفعين عن الكشف عن المستور، ولكنهم صامتون، متشبثون بقلوب صادقة مرابطة.
#بلا_حدود