الخميس - 16 سبتمبر 2021
الخميس - 16 سبتمبر 2021

بين الشمولية والتخصص

يميل كثيرون إلى التحدث عن العملية الإبداعية باعتبارها المكون الشامل الذي يحوي جميع ما يمكن للمبدع أن ينتهجه، فالعملية الإبداعية للكتابة مثلاً تطلب بحثاً شاملاً في مختلف صنوف العلوم والفنون، بغرض إثراء تلك التجربة والعملية الإبداعية للموسيقى، إلى جانب تجوالها التخصصي في علوم النوتات الموسيقية وما حولها، معرفة بالتاريخ الاجتماعي للمكان بكل ما يحويه ذلك من سماع ولون وكلمة، وهكذا دواليك، الأمر الذي يجعل المبدع وبعد تكرار الخوض في مجموعة من العمليات الإبداعية الخاصة التي تخرج في كل مرة بمنتج إبداعي، يستشعر قدرته على الخوض في الكثير من المجالات الإبداعية، خوض التجربة في بعض الأحيان وهذا حقٌ مشروع وخوض العالم في أحيان أخرى وهذا ما يجب التوقف عنده اليوم. بالنسبة لي إن المادة النهائية لأي منتج إبداعي هي بمثابة حفر عميق في أرضية مصمتة، كان كلما على سطحها مشابهاً لما حوله، مما يجعل المنتج بمحصلته مميزاً ومختلفاً، يراكم على أي منتج سبقه بعنصر الاختلاف، ويكرس لفكرة استمرارية الابتكار.

لكن ماذا لو أن ذلك التخصص في موضوع العمق نُحِّي جانباً لنرى المبدع ينتهج الكتابة والتشكيل والموسيقى وغيرها في الوقت ذاته، في مراوحات سطيحة لا تحفر عميقاً في مجال من تلك المجالات؟.. وبعيداً عن حق التجربة المشروع في كل تلك المجالات، ترى ذلك «المبدع»، واستخدم التسمية هنا مجازاً، يعرف بنفسه باعتباره واعياً ومدركاً لكل تلك التنوعات، وخبيراً بها، وقادراً على إنتاج إبداعات في ذات مستوى العمق، الأمر الذي أراه في المحصلة إرباكاً لفكرة الإبداع الأولى، التي تحاول أن تمد جسراً متيناً للحضارة الإنسانية بكل ما تشمله من تنوع على سبيل الخلق لكل ما هو مختلف وعميق، وهذا يستلزم في غالب الأحيان وقفة نقدية حقيقية لتفنيد تلك الفوضى، ومحاولة تقويمها قدر الإمكان.المادة النهائية لأي منتج إبداعي هي بمثابة حفر عميق في أرضية مُصْمتة
#بلا_حدود