الأربعاء - 28 فبراير 2024
الأربعاء - 28 فبراير 2024

تلاميذ ودراويش.. سقراط ولطفي السيد

تلاميذ ودراويش.. سقراط ولطفي السيد
قد يُفاجأ بعضنا أن الفيلسوف اليوناني سقراط لم يكتب كلمة واحدة، ولا ترك كتاباً بقلمه وتأليفه، وأن كل ما نقرأه من كلمات وأفكار منسوبة إليه، هي كتابات تلامذته، خاصة أفلاطون، الذي ترك أعمالاً يطلق عليها الدارسون «المحاورات السقراطية» أي محاورات بين المعلم والتلميذ، من بينها محاورة «الدفاع» والتي مثلت دفاع سقراط عن نفسه أمام المحكمة التي قضت بإعدامه.

الحقيقة أن سقراط ترك تلامذة بث فيهم أفكاره وفلسفته، وكان يوليهم جل الاهتمام، فقاموا بنقل عبقريته إلى الأجيال من بعده، وذلك إلى جوار أسباب أخرى كان موضع شجار دائم مع زوجته، كانت ترى، عن حق، أنه يفضلهم عليها أو أنه يهرب منها إليهم.

فكرة أن يكون للفيلسوف والمفكر والفقيه تلامذة كانت مهمة وسائدة في العصور القديمة، وربما حتى اليوم.. ففي التاريخ الإسلامي تكونت المذاهب الفقهية للعلماء بجهود تلامذتهم.. الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان كان محظوظاً بتلميذه أبو يوسف، ويمكن أن نقول الشيء نفسه عن الإمام أحمد والإمام مالك وكذلك الإمام الشافعي.


ويَذكر المؤرخون والدارسون للفقه الإسلامي أن الإمام الليث كان عالماً لا يقل عمقاً عن سائر الفقهاء العظام، لكن ضيعه تلامذته فلم يهتموا بتراثه ولم يحرصوا على تأطيره وتقديمه، ولا يذكره الناس في مصر إلا بالحي الذي يحمل اسمه في منطقة «مصر القديمة» بالقاهرة.


ليس الأمر وقفاً على الفلاسفة والفقهاء بل يمتد إلى الديانات الكبرى، تخيّل مثلاً ماذا سيكون مصير تعاليم السيد المسيح، لو لم يكن الحواريون من حوله، فهؤلاء هم حملة تلك التعاليم وناشروها، والفضل يعود لهم في تكوين الكنائس وانتشار المسيحية حول العالم.

وحتى وقت قريب كانت ثقافتنا العربية تحافظ على هذا التقليد، فأحمد لطفي السيد لم يؤلف كُتباً، بل كتب مقالاته في «الجريدة» فقط، ثم جمعها أحد تلامذته في «المنتخبات»؛ وترجم ثلاثة أعمال لأرسطو، لكنه ترك تلامذة كالكنز، حملوا فكره إلى الأجيال الآتية.

وكان العقاد محاطاً بالعقاديين في ندوته الأسبوعية بمنزله في مصر الجديدة كل يوم جمعة، وطه حسين محاطاً بتلامذته في مختلف أنحاء العالم العربي، يلتقيهم في الجامعة محاضراً أو متابعاً لدراساتهم.

أما الآن فإن هذا التقليد يأفل؛ فلم نعد نرى إلا بعض المريدين وإن شئنا «الدراويش»، الذين سرعان ما ينفضون عن أفكار الأستاذ لخفوت الضوء من حوله أو الرحيل عن عالمنا.