السبت - 02 مارس 2024
السبت - 02 مارس 2024

عصر «إنترنت الأشياء»

عصر «إنترنت الأشياء»

مالك العثامنة

أفتح هاتفي الجوال على تطبيق خاص بمحطة وقود معينة في مدينتنا التي نعيش فيها، وبكبسة ناعمة على الشاشة أعطي الأمر عبر الهاتف لمضخة الوقود بأن تبدأ بالتعبئة، ويتم خصم المبلغ مباشرة بعد الانتهاء من حسابي البنكي فوراً.

القصة تجاوزت معجزة حجز تذاكر السفر مباشرة من خلال شاشة الهاتف، أو دفع فواتير الكهرباء والماء عبر تطبيق البنك، فأنت هنا أمام حوار إلكتروني مباشر بين الأشياء.. بين هاتف أصم ومضخة وقود صماء، وأنا بينهما لا دور لي إلا فتح غطاء فتحة الوقود، لا أكثر.

أرعبني المشهد، على الرغم من أنه يوحي بدلالات الراحة ويعكس سهولة الحياة عبر الذكاء الصناعي، وهناك إعلانات بدأت تظهر عن ثلاجات جديدة وحديثة وذكية، تعطيك نسبة الحموضة في المخزون فيها، أو نواقص معينة يمكن للثلاجة أن تزودك بقائمتها عبر هاتفك الذكي وأنت في المتجر تتسوق! هل قلت «هاتف»؟.. وظيفة الهاتف التلفونية في الاتصال مع بقية البشر هي أقل الخدمات فعلياً التي يوفرها هذا الأملس الناعم المستقر في راحة يدك ولا يفارقك! هو الآن عالم من الأشياء الذكية، التي تتواصل مع بعضها وأحياناً من دون وساطة بشرية.


قبل يومين، أخبرتني طبيبة العائلة أنه لا داعي لأن أحضر شخصياً للعيادة، يكفي أن أرسل لها نتيجة المختبر، وهي سترسل لي بريداً إلكترونياً بوصفة الدواء اللازم، وإن لزم الأمر تشخيصاً طبياً سريرياً فالإيميل بيننا لتخبرني بموعد مناسب للحضور.. هكذا قالت الطبيبة فأشفقت على السقوط المدوي لشطر بيت أبي الطيب المتنبي حين يقول واصفاً الأسد في مشيته: «فكأنه آسٍ يجس عليلا».


بعد عشرين سنة من اليوم، لن أجد أي طريقة لشرح البلاغة في الصورة الشعرية أمام ابنتي، التي ربما حينها ستجس نبضها ونبضي بسوار ذكي يلف معصمي ويرسل النتيجة فوراً عبر الأثير الإلكتروني إلى طبيب ما قد يكون مقيماً في قارة أخرى.

حتى المختبر الطبي، أقرأ في تقارير صحفية أنه تم اختزاله في حقائب صغيرة بحيث يمكن للناس أن يجروا تحليلات معينة في بيوتهم عبر أجهزة ذكية تقوم بسحب الدم، أو أي عينة أخرى، وتحلل وترسل النتيجة إلى الطبيب.

يتحدثون عن تطبيق ذكي عبر حاسب أكثر ذكاءً، يمكن وصله بسيارات حديثة وذكية، وهذا التطبيق يفحص لك السيارة فنياً، ويرسل تقريره إلى الجهات المعنية، التي سترسل لك الترخيص الفني، وما عليك إلا أن تلمس الشاشة لدفع الرسوم والضريبة!

إنه عصر إنترنت الأشياء أما الإنسان، فلا بواكي له.