الثلاثاء - 06 ديسمبر 2022
الثلاثاء - 06 ديسمبر 2022

العنوان ومقص الرقيب

يردد كثر تلك العبارة الدارجة التي تقول إن الكتاب يكشفه عنوانه، وهو ما يشير إلى أن كل مضمون لأي كان إلا وكشفه سطحه أو ظاهره بشكل ما، وكما هو الأمر في أن المضامين العميقة لأي شيء قد لا تكشفها ظواهرها، فإن الكتب أيضاً قد تخذل العناوين مضامينها، وقد توحي في موضع آخر بشيء أكبر مما هي عليه فعلاً، وهذا ما قادتني إليه رواية الكاتب الإيراني «شهريار مندني بور»، «قصة حب إيرانية تحت مقص الرقيب».

لعل العنوان وحده هو ما أجّل قراءة هذا العمل الذي بقي على الرف لفترة، حسناً.. لنرى ما هي قصة الحب تلك التي تقع فيما يقارب الخمسمئة صفحة، هل هو أحد تلك الكتب التي تعتمد هذه العناوين التي أضحت أقرب إلى المستهلكة لجذب انتباه السطحيين من القراء الباحثين عن شعلة سريعة الإنطفاء، كما هو غيرها من تفاصيل العالم الحديث اللاهث؟ أم أن في الأمر خدعة ما؟.

وهكذا وجدتني أتورط في خدعة «بور»، تلك الخدعة التي تأخذك إلى عالم معقد وشائك عن علاقة الإبداع بالرقابة في إيران، والعلاقة بين الإبداع والسياسية والمجتمع، وأخيراً الحب في هذه القصة المسسترة التي قدمها الكاتب بطريقة أبعد ما تكون عن النمطية، فهو يحاورك ككاتب متورط مع رقيب ما، اختار له اسماً حركياً لأحد أبطال دوستويفسكي الروسي، وتحديداً المُحقق في روايته الأشهر «الجريمة والعقاب».


هو يحركنا معه في إيران الحديثة، وبين أفرادها، بين مبدعيها، ورجالها ونسائها، وشبانها، وشاباتها، لكأنه يتوقع معنا ما سيفضله ذلك الرقيب الساذج بخباثته وما سيحذفه، لتنتهي وقد وصلت وقرأت فعلاً قصة حب، تئن تحت مقص الرقيب، لكنها كانت في مضمونها أبعد من ذلك بكثير، وهي في أسلوبها حتماً قدمت ما يتجاوز مقدرة أي قارئ أتى ليحصل على تلك الشعلة السريعة المستهلكة من خلال قصة حب رتيبة.