الثلاثاء - 27 فبراير 2024
الثلاثاء - 27 فبراير 2024

الطاقة.. وأمن الإمداد والطلب

بلغت منطقة الخليج العربي حافة الحرب قبل أن يتدارك الرئيس الأمريكي ترامب الموقف بصعوبة بالغة في شهر يونيو الماضي، ولعلَّ من الغريب أنه هو ذاته الذي دفع البلدان الخليجية إلى هذه المرحلة المتأزّمة قبل أن يسارع إلى تغيير الأمور وتعديل المواقف.

ويبدو أن مؤشرات التوتر ستبقى مرتفعة في المستقبل القريب، وسوف يبقى احتمال حدوث النزاعات والصدامات العرضيّة غير المرغوبة قائماً هناك، وسنشهد المزيد من الحوادث الغامضة التي سيسهم كل منها في زيادة احتمالات حدوث صراع واسع النطاق في منطقة الخليج، ويتطلب الأمر الآن إعادة النظر في المواقف من جديد والبحث عن طريقة ما للخروج من هذه المآزق.

وكان من باب التعقّل والحكمة ألاّ تشير حكومة الإمارات العربية المتحدة بإصبع الاتهام لأية جهة أو كيان في معرض شجبها واستنكارها للأعمال الاستفزازية المتوالية التي حدثت داخل مياهها الإقليمية، وكان من الممكن أن تتسبب تلك الاعتداءات باندلاع صراع عسكري مفتوح.


وفي هذا العالم ذي الاقتصاد المعولم، لا شك بأن أي صراع عسكري في الخليج العربي سيصيب الدول المشاركة فيه بضرر كبير، وسوف تتعرّض البنى التحتية للدول الخليجية المنتجة للنفط لضربة قاسية لو اندلعت حرب إقليمية واسعة النطاق في المنطقة، وهي البنى التي قامت على تكنولوجيات متطورة ومعقدة، وتسهم في تطويرها وتشغيلها أيادٍ وطنية وأجنبية خبيرة.


وربما توحي لنا «لعبة الدجاج» الخطيرة التي يمارسها الرئيس ترامب بمستوى الخطر الذي يهدد نمط الحياة المرفّهة في منطقة الخليج العربي.

وهذه التطورات تثير الكثير من قلق الدول المستهلكة للنفط في شرق آسيا مثل اليابان، التي تعتمد بشكل كبير على النفط المستورد من منطقة الخليج لتحقيق أمن الطاقة. ويتألف «أمن الطاقة» من جزأين لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر، الأول: «أمن الإمداد»، الذي يمثل محور اهتمام الدول المستهلكة حتى تتمكن من تحقيق التموين الثابت والمنتظم بالنفط والغاز الطبيعي من الدول المنتجة.

والثاني: «أمن الطلب» وهو محور اهتمام الدول المنتجة المصدّرة، والتي تحتاج لتأمين عدد كبير من كبار المستهلكين على المدى البعيد، ومن دون هؤلاء المستهلكين، سوف تصبح احتياطاتها البترولية عديمة الفائدة.

ويمكن القول بطريقة أخرى: إن «الطلب» و«الإمداد» يمثلان وجهين لعملة واحدة. ولا بدّ من التنسيق والتعاون بين الدول المنتجة والمستهلة للنفط في هذا المجال.

وإذا ما استمرّ هذا التصعيد المتزايد في التوتر، وتنامى الخوف من حدوث الاضطرابات في طرق ومعابر مرور ناقلات النفط، فسوف يشجّع ذلك الدول المستوردة على بذل أقصى الجهود الممكنة لتنويع مصادر الطاقة حتى تتجنب الاعتماد الكلي على النفط الخليجي، أو حتى تتخلى عن النفط ذاته كمصدر أساسي لتحقيق أمن الطاقة.

ويعني ذلك أيضاً أن «أمن الإمداد» و«أمن الطلب» لا بدّ من أن يتّصفا بشروط التكامل التام، ولو انفصل أحدهما عن الآخر، فسوف يتوقفان معاً عن الوجود.