الأربعاء - 30 نوفمبر 2022
الأربعاء - 30 نوفمبر 2022

طين السماء

«إنها فنانة، توقفت عن الابتكار» يقول زوجها قريب نهاية الفيلم محدثاً ابنته عن والدتها. يتحدث فيلم «أين ذهبتِ، بيرناديت؟» المبني على رواية بالاسم نفسه للكاتبة الأمريكية ماريا سيمبل، يتحدث عن مهندسة معمارية موهوبة جداً في مجالها. تتفوق وتكسب جائزة مرموقة ثم تنتقل وزوجها إلى سياتل.

يبدأ الفيلم /‏‏ الرواية وقد أصبحت زوجة وأماً لشابة بعد زواج دام عشرين عاماً وانقطاع تام عن مهنتها أيضاً. تبدو مشتتة، ضائعة، متخبطة وتعاني كثيراً لدرجة تصل بها إلى الأرق والاكتئاب.

في مشهد مؤثر يواجهها فيه زوجها، مستعيناً بطبيبة نفسية تطلب منها الانضمام لبرنامج علاجي في مستشفى للأمراض العصبية، يخبرها زوجها بأنه ما عاد يعرفها. أنها كمن استولت الكائنات الفضائية على جسدها.


لست هنا بصدد حرق أحداث أحد أروع الأفلام التي شاهدتها، لكني أريد الحديث عن قضية تهمنا جميعاً. هي من القضايا التي لا يوليها الكثير أي اهتمام، والأخطر أن الأغلب يظنها من سنن الحياة الطبيعية. أغلبنا ببساطة «يتعود».


هي انقطاع المبدع أو الفنان أو الموهوب عن ممارسة شغفه. يحدث ذلك للنساء حين تهب وقتها وجهدها لأسرتها وأبنائها ويحدث للرجل حين ينخرط في وظيفته طلباً للقمة العيش. توجد أسباب أخرى لكن أقل انتشاراً بالطبع. في النهاية، الانقطاع عن ممارسة الشغف قاتل فعلياً.

ويجب ألا يكون هناك أي أولوية فوق هذا الشغف، أو تبرر انقطاع الفنان ما لم يرغب طواعية هو في ذلك.

على العكس، على المجتمع فهم دوره لدعم المبدع بما في ذلك دور الأسرة حين يرزقها الله بفرد موهوب، دور شريك الحياة والأبناء، دور المؤسسات التعليمية والعمل وغيرها. الأهم من ذلك، الوعي الجمعي بأهمية الشغف لكل فرد منا، وفداحة ضياعه على النفس البشرية وطُرق استرجاعه.

المبدع ـ وهنا أقتبس من قصيدة لأحمد مطر ـ هو من «طين السماء».