الثلاثاء - 22 يونيو 2021
الثلاثاء - 22 يونيو 2021

محاكمة داود أوغلو.. والديمقراطية التركية

محمد زاهد غول
كاتب وباحث تركي، رئيس مركز شرقيات للبحوث بإسطنبول، ورئيس تحرير الإندبندنت التركية، له العديد من الكتب وعشرات الأبحاث والمقالات في الشأن التركي، كما ترجم عدداً من الكتب من التركية إلى العربية
لا أحد من الشعب التركي يجهل من هو البروفسور أحمد داود أوغلو، فقد تبوأ أعلى منصب بحزب العدالة والتنمية الحاكم، فكان رئيساً له وللحكومة التركية لمدة عامين (2014 - 2016) عندما اضطر للاستقالة من الحزب للترشح لرئاسة الجمهورية عام 2014 بحسب الدستور السابق، وهذا يعني أنه كان الأكثر ثقة وقدرة على خلافة الرئيس أردوغان بحسب وجهة نظر هذا الأخير نفسه، فكيف يصبح لمجرد انتقاده للنهج السياسي لحزب العدالة والتنمية ورئيسه شخصية غير مقبولة في الحزب؟ وتصدر اللجنة التنفيذية المركزية للحزب قرارها يوم 3 سبتمبر الجاري بإحالته إلى مجلس تأديب تمهيداً لعزله، بحسب وسائل الإعلام التركية.

صحيح أن القرار جاء بالإجماع من اللجنة التنفيذية المركزية للحزب ولكنه لن يضمن الإجماع نفسه من الشعب التركي، الذي سيفتح محاكمته الخاصة للديمقراطية التركية، فالشعب التركي تابع كل الانتقادات التي وجهها داود أغلو لسياسات الحزب الحاكم ورئيسه في المدة الأخيرة، كما تابع الرسالة المفتوحة التي وضعها أمام الشعب التركي، وفيها كشف انحراف الحزب عن مبادئه الأساسية، وأن سياساته قد أوصلت البلاد إلى هذا التراجع الاقتصادي والضعف الاجتماعي الداخلي، والأهم من ذلك التراجع عن الديمقراطية في كل مستوياتها، فالمحاكمة داخل الحزب لرئيس سابق له لمجرد انتقاداته السياسية تمثل تراجعاً عن الديمقراطية داخل الحزب أولاً، وقد لا تقنع أحداً، إلا إذا كان الهدف من المحاكمة استهداف شخصية داود أوغلو المستقبلية، بعد توقعات تأسيسه لحزب سياسي جديد، سيكون أتباعه في الغالب من داخل حزب العدالة والتنمية أو المقربين منه.

هذه التوقعات باستهداف مستقبل داود أوغلو تؤكدها التصريحات الأخرى التي تتوقع طرد عدد من الأعضاء المؤسسين لحزب العدالة والتنمية وشخصياته الكبرى في المرحلة المقبلة، منهم أيهان سيف أوستون وسلجوق أوزداغ، وعبدالله باسكي، إذن فالمستهدف ليس شخص داود أوغلو ولا انتقاداته السابقة بقدر ما هو الدور المحتمل أن يلعبه على الساحة السياسية في تركيا.


ولذلك لا يتوقع أن الشعب التركي سيراجع محاكمة داود أوغلوا ولا غيره إن كانت محقة أو غير محقة، وإنما سيتابع مستوى التراجع عن الديمقراطية السياسية والتعددية الحزبية، كما تابع التراجع عن الديمقراطية الانتخابية بعد الإصرار على إعادة الانتخابات الأخيرة لبلدية إسطنبول، وكما انتقد الإقالات الأخيرة لثلاث رؤساء بلديات فازوا في الانتخابات البلدية الأخيرة، فما يجري هو معركة مع الديمقراطية يتابعها الشعب التركي كما يتابعها العالم أجمع.
#بلا_حدود