الجمعة - 25 يونيو 2021
الجمعة - 25 يونيو 2021

العدالة الانتقالية في الوطن العربي!

د. انتصار البناء
كاتبة وناقدة بحرينية، حاصلة على الدكتوراه في النقد الأدبي الحديث، لها عدة مقالات ودراسات في النقد الأدبي والثقافي والتحليل السياسي في عدة صحف ودوريات عربية
«القتل أنفى للقتل» هكذا قالت العرب قديما، أي أن معاقبة القاتل بقتله ستمنع عمليات القتل المستقبلي، لكن ماذا بشأن عمليات القتل الجماعي التي تنتج عن تورط جماعي في الحروب والمجازر؟، كيف ستكون المحاسبة والردع ؟، في الحروب الكبرى في الوطن العربي التي تعددت أياد الدم فيها، كيف سيتم التوصل لحلول لمحاسبات تنصف هذا الكم المرعب من الدماء وتمنع سيلانه ثانية؟.

تبادرت هذه الأفكار إلى ذهني، وأنا أقرأ تقارير متعددة عن حالة الانتعاش السياسي والاقتصادي في رواندا، فراوندا اليوم من أقوى الاقتصادات الأفريقية، وتعد عاصمتها أكثر العواصم الأفريقية جذباً للسياح، وفي أقل من 20 عاما من انتهاء الحرب، تمكنت راوندا من خفض نسبة الفقر والأمية بنسبة كبيرة، كما أنها أطلقت قمرا صناعيا في الفضاء لتغطية جميع مناطق راوندا بالانترنت المجاني.

رضخت راوندا تحت أسوأ المجازر عام 1994م، والتي نتج عنها في بعض التقديرات قتل مليون رواندي ونزوج مليونين آخرين، فكَّمُ المجازر ونوعها البدائي يصيب المتتبع لها برعب شديد، بدأتها قبيلة الهوتو ذات الأغلبية السكانية ضد أقلية التوتسي الحاكمة، وبعد تدخل مجلس الأمن لإنهاء الحرب، لم يكن من حل لشلال الدماء الهادر الذي تورطت فيه جميع الأطراف إلا الدخول في إجراءات العدالة الانتقالية، التي تقوم على ثلاثة مبادئ (الاعتراف، المغفرة، الصفح)، حيث عقدت محاكمات أهلية في القرى اعترف فيها المذنبون بجرائمهم، ونال عدد قليل من القيادات السياسية عقابهم، في حين عفى الضحايا عن باقي جموع المقاتلين مقابل إصلاح الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي في البلد وخروجها من مستنقع الدم.


ويبدو الوضع المستقبلي في دول الحروب العربية قريبا من هذا الاحتياج، حيث تتورط جماعات داخلية في عمليات القتل، ببواعث تتخللها الكراهية والعنصرية والطائفية، وإقامة محاكمات تقليدية للقصاص لكل هذه الانتهاكات سيبدو أمرا صعبا، كما أن التجاوز العام عنها سيجعلها وعلى عادة العرب، ورقة ساخنة في سجل الثأر المتجدد عبر السنين.

أول مبادئ العدالة الانتقالية هو الاعتراف، ولو أن أطراف الصراع العربي ـ العربي اعترفت يوما بجرائمها فماذا ستقول؟، وكيف ستبرر؟، وكيف سيسامح كل هؤلاء الأبرياء من اليتامى والأرامل والمعاقين من أذنبوا في حقهم دون خطيئة؟، العدالة الانتقالية قد تكون الملف الأكثر حرجا في الأعوام القادمة في الوطن العربي، لأن ما حدث من دمار وقتل وتشريد في بلداننا سيتطلب تنازلات إنسانية يتعين الاستعداد لها من الآن.
#بلا_حدود