الجمعة - 25 يونيو 2021
الجمعة - 25 يونيو 2021

نجيب محفوظ.. ونبوءة الاغتيال

لدى نجيب محفوظ قصية قصيرة بعنوان«قاتل قديم» نشرت في العام 1984؛ تتناول القصة مشهداً لا يبتعد كثيرا عن محاولة اغتياله التي جرت يوم الجمعة 14 اكتوبر 1994؛ أي بعد نشر القصة بعشر سنوات بالضبط.

القصة حول أستاذ جامعي مرموق ومؤلف مهم؛ تعتبر كتبه المرجع الأول في الدعوة إلى الحضارة الغربية والنقد المر للتراث.. لذا حظيت كتبه تلك بالقلة من المعجبين والكثرة من الناقمين؛ ولما خرج الأستاذ إلى المعاش كان يقيم صالونا ثقافيا في منزله لمريديه وتلاميذه المعجبين بأفكاره، وكان لديه خادما خاصا يتولى كل شيء في البيت؛ حيث لم يكن الأستاذ متزوجاً؛ وحدث أن طلب عم عبده هذا أن يغادر البيت نهائيا ويترك العمل؛ وحاول الأستاذ أن يعرف السبب؛ وبعد لأى صارحه عم عبده “قلبي يقشعر مما أسمع أحيانا في مجلس الزوار”.

قرر الأستاذ مراعاة مشاعر عم عبده وكان يلتزم الصمت هو وتلاميذه حين يدخل عم عبده بالطعام أو المشروبات، لكنه اكتشف أنه يقف خلف الباب يتسمع لما يقولون، ولاحظ أن نظراته إليه مليئة بالكراهية وتناقش فى الأمر مع تلاميذه وقرر سرعة الاستغناء عنه “إنه مثل للاستقامة والطيبة ولكني على خبرة بما يمكن أن يصدر عن هذه الأنماط إذا جرحت ضمائرها".. بعد أيام قتل الأستاذ في منزله وأبلغ عم عبده عن الجريمة، وبعد تحقيق حفظت القضية؛ وقيدت “ضد مجهول”.


بعد ربع قرن على الجريمة نشرت مذكرات الأستاذ - طبقا لوصيته - ومن سطورها تبين للضابط الذي تولى التحقيق أن عم عبده هو القاتل؛ وبمجرد اكتشاف أمره فارق الحياة، رغم أن العقوبة سقطت بالتقادم.

القصة التي لم يتوقف عندها كثير من النقاد؛ كانت جرس إنذار لما يمكن أن يتعرض له الكتاب من بعض الأفراد أصحاب الأفكار المحافظة؛ فما بالنا بمن اعتنقوا أفكار التطرف والتشدد؟!؛ وهكذا وجدنا د. فرج فودة يتم اغتياله عصراً فى صيف 1992 بمنطقة مصر الجديدة فى القاهرة، وفى صيف 1994 تجرى محاولة اغتيال محفوظ انتقاما منه بسبب رواية “أولاد حارتنا” التى نشرت سنة1959، واصدر كل من الشيخ عمر عبدالرحمن والشيخ عبدالحميد كشك عقب فوزه بجائزة نوبل، بيانا بأنه كافر وأن الرواية تنطوى على إساءة للأنبياء، وفى خريف السنة نفسها تبدأ مطاردة د. نصر حامد أبو زيد بسبب كتابه “مفهوم النص” ويقضى عمره منفيا فى هولندا.

القصة كانت نبوءة قائمة على استقراء عميق للواقع وانتشار أفكار التشدد؛ ولكن المفاجأة أن تصيب النبوءة نجيب محفوظ نفسه.
#بلا_حدود