الاحد - 13 يونيو 2021
الاحد - 13 يونيو 2021

عن الهمجية التركية والتخاذل الدولي

لا نتجاوز الحقيقة بالمرة إن قلنا إن ما تقوم به تركيا في شمال شرق سوريا ليس إلا نوعاً من أنواع الهمجية التي تتسق وسابق عهودها الدموية ومشاعرها السلبية والانتقامية من العرب عبر التاريخ.

لا تقيم تركيا وزناً لفكرة الدولة المستقلة، وإنما تسعى لتحقيق أحلام توسعية إمبراطورية تعزف عزف نشاز على أوتار التيارات الراديكالية التي وقفت وراءها حكومات دول ولا تزال، لا تبغي صالح أو مصالح العرب منذ ثلاثينات القرن العشرين وحتى الساعة.

تملأ الأحقاد قلب تركيا تاريخياً تجاه العرب الذين تخلصوا من احتلالهم العثمانلي الكئيب عبر تيار القومية العربية في أوائل القرن العشرين، ويخيل للعثمانيين الجدد اليوم أن التاريخ قابل أو قادر على إعادة نفسه، الأمر الذي حاوله الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عبر سنوات ما أطلق عليه «الربيع العربي»، والذي كان شتاء إسلاموياً قاتلاً، لولا يقظة بعض الشعوب وفي مقدمتها مصر، التي هتفت جماهيرها بسقوط حكم المرشد وليس سقوط حكم مرسي فقط.

حين تحدث وزير الدولة للشؤون الخارجية الدكتور أنور قرقاش عن الحاجة إلى نظام عربي يعيد اللحمة بين العواصم والشعوب العربية، فقد أحسن الرجل كثيراً جداً، ذلك أنه في ظل التفكك والتفسخ الحادث على مستوى النسيج العربي، أضحى من الصعب الدفاع عن سوريا الشقيقة وتركها فريسة للمطامع التاريخية لأردوغان وصحبه.

والشاهد أنه وسط الأزمة الخطيرة الحادثة يطرح البعض تساؤلات ويقيمون مقاربات بين مشروعين إمبرياليين في المنطقة، أحدهما إيراني والآخر تركي، والسؤال أيهما أخطر؟

يمكن القطع بأن كليهما أسوأ من صاحبه، غير أنه في الحالة التركية يستشعر المرء ضرراً جسيماً من جراء الطوابير الخامسة المنتمية لجماعة الإخوان بنوع خاص في العديد من الدول العربية، أولئك الذين يعملون بمثابة الفيروسات المخترقة للجسد العربي، وهؤلاء خطرهم أكثر شراً من وكلاء إيران في المنطقة، فالوكلاء واضحون ومعروفون، أما الآخرون فجلهم من «المؤتلفة قلوبهم» من جهة، والذين يسعون في طريق «التقية» من جهة ثانية.

خرج الأمر بأسف شديد من يد العرب، ويحتاج إلى جهود جبارة لاسترجاع القوة والقدرة والقيادة التي تردع المارقين من الأتراك بنوع خاص، وهذا أمر يتفهمه المرء في ضوء التطورات والتدهورات التي جرت بها المقادير خلال العقد الماضي.

غير أن ما لا نستطيع فهمه عقلاً أو عدلاً هو موقف التخاذل الدولي من واشنطن إلى موسكو، ومن بروكسيل إلى بكين، إذ لا يبدي أحد ردات فعل حقيقية تستنقذ البشر والحجر في سوريا من الهجمات البربرية التركية.

يستدعي الموقف الأمريكي التطرق إليه على نحو خاص، إذ يصيب المتابعين بشيء من الاضطراب العقلي، لا سيما مواقف الرئيس دونالد ترامب التي وصفها قائد القوات المركزية السابق في المنطقة الجنرال جون دانفورث بأنها «غير استراتيجية وغير أخلاقية».

غير استراتيجية لأنه بذلك يظهر أمريكا ضعيفة مترددة متخاذلة في وجه أردوغان، الأمر الذي ينعكس لا محالة على مواقف إيران وكوريا الشمالية وبقية الكيانات الأممية الرافضة للنفوذ الأمريكي.

وغير أخلاقية لأن الأكراد الذين يتخلى عنهم ترامب اليوم قدموا 11 ألف شهيد في حربهم ضد الدواعش وساعدوا التحالف الدولي على دحر أخطر تنظيم إرهابي في التاريخ المعاصر.

ما الذي يريده العم سام على وجه التحديد؟.. الجواب غير واضح في ضوء تقلب المواقف الترامبية يوماً تلو الآخر، ما جعل فكرة التحالف آو الاعتماد على الحليف الأمريكي مشكوكاً فيها أمس واليوم وغداً.

#بلا_حدود