الاحد - 31 مايو 2020
الاحد - 31 مايو 2020

هزائم التنوير العربي

د. واسيني الاعرج
أكاديمي وروائي مقيم بفرنسا، عمل في جامعة الجزائر المركزية، قبل أن يلتحق في 1994 بجامعة السوربون في باريس. يسهم بتحليلاته الثقافية والسياسية في صحف عربية كثيرة، حصل على جوائز مرموقة منها جائزة الشيخ زايد للآداب.
نتحدث عربيا عن التنوير وعن الفكر التنويري، وعن كل ما يرفع سويتنا الذهنية عاليا، ولكننا نصطدم دوما بانتصار نوع آخر من التفكير هو أقرب للخرافة منه للمعرفة، لا يؤمن مطلقا بالعقل ومنتجه.

العقل معرفة وتحصيل وليس توريثا تلقائيا كما الغيب والخرافة، أي أنه يحتاج إلى جهد كبير لكي يصل إلى قوته التي يفصل فيها بين الأشياء.. قرون مرت، وعلى الرغم من الانفتاح العربي على العالمية، وفتح آلاف الجامعات ومراكز البحث، ما يزال الفكر التنويري يراوح مكانه، وإلا كيف نفسر فوز التيارات التي تتخفى وراء الدين في كل انتخاب مصيري، بينما هي تمارس فعلا سياسيا بامتياز.

تجربة الجزائر سابقا، الانتخابات التشريعية التونسية، والرئاسيات المصرية، وغيرها من التجارب؟، من المؤكد، كانت الانتصارات ديمقراطية، أي من الشعب وليس من مؤسسة ضاغطة، إن الجزائر العاصمة ليست هي كل الجزائر، وتونس العاصمة ليس هي تونس، والقاهرة ليست هي مصر كله، ليست العواصم التي تحدد نتيجة الانتخابات، ولكن الأطراف التي تعيش زمنا موحشا خارج مدارات الحد الأدنى من الحداثة.


القبول الديمقراطي، بنتائج الانتخابات، لا يحتم على المثقف القبول بالفكر الذي يتخفى وراءها، لأن من وظائف المثقف أن يبحث عن الفكر الذي يدفع بالبشرية إلى الأمام وليس الذي يضعها في حالة الثبات والموت البطيء، فلا تقدم إلا بصيانة الدين من التلاعبات السياسية ووضعه في مكانه الإنساني الفردي، فالأمر في النهاية سياسة، لأن الدين كقيمة متعالية يجب أن يظل خارج الحيل البشرية، فلماذا تذهب الشعوب الإسلامية، والعربية بالخصوص، نحو اللعبة السياسية التي تستعمل الدين، لا أعتقد أن المسألة صعبة!.

التنوير الأوروبي لم يأت هكذا كزيت فوق الماء، غير قابل للاختلاط، ولكنه ثمرة لتطور حدث في الواقع، فلسفة الأنوار كانت قاعدة حقيقية للتحولات التي حصلت لاحقا، في النصف الثاني من القرن 17 ميلادي، قرن الفلاسفة من أمثال سبينوزا، لوك، بايلي، نيوتن، قبل أن يتطور في أوروبا كلها، تغيرت النظرة للعالم، ليصبح قرن الأنوار لحظة إنسانية لا يمكن القفز عليها عندما تم اكتشاف قوانين الجاذبية، وحركة دوران الأرض، والرياضيات، كانت هذه المعارف تصطدم باللاعقل الذي تبنته الكنيسة التي كانت ترى أن الأرض مسطحة، وثابتة، وأنها مركز الكون، وقوانين الجاذبية وتفسير الظواهر علميا والتحكم في الكثير منها، فبدأت الصرعات والنقاشات لمقاومة كنيسة منغلقة على نفسها ومعارفها، وعوضت الدين كعبادة وسَيرته لمصلحتها.

التنور ثمرة ونتيجة لمحصلة في المجتمع، فكان لابد من الانتصار للعقل، وتبع ذلك نوع من الاضطهاد الديني ضد العلماء وتسييد الظلامية.. نيوتن، كوبيرنك، غاليليو وغيرهم.

العقل المضطهد والمُنتج للفكر هو الذي صنع التنوير، ونمط آخر من الحكامة انتهى إلى تطوير مفاهيم الديمقراطية، مع إعلان استقلال الولايات المتحدة واندلاع الثورة الفرنسية.. ما حالنا مع الفكر والفلسفة عربيا؟.
#بلا_حدود