الاثنين - 23 مايو 2022
الاثنين - 23 مايو 2022

المشير أبوغزالة عند نهاية الرحلة

وزير الدفاع المصري الأسبق المشير محمد عبدالحليم أبوغزالة هو واحد من كبار القادة العسكريين في العالم العربي المعاصر، ولو كان أمريكياً لكان في وزن قامات مثل: هنري كيسنجر وزبيجنيو بريجنسكي.. إنه أكثر الجنرالات العرب إلماماً بالثقافة العالمية، وعطاء في مجال الدراسات الاستراتيجية.

ألَّف الماريشال أبوغزالة عدداً من الكتب المهمة، كما ترجم عدداً آخر، وكتب البحوث وألقى المحاضرات.

لقد كنت واحداً من القلائل الذين سمحت لهم الأسرة بالدخول إلى غرفته في مستشفى الجلاء العسكري في أيامه الأخيرة.. كان الماريشال متعباً، يعاني من ألم شديد، ولكنه استطاع حتى في تلك اللحظات الصعبة أن يكتم التعبير، ويهذب الوجع.. لم يكن الماريشال يريد أن يراه أحد بينما هو يترجل في خطواته الأخيرة.. تاركاً المجد والحياة.


كان رفيق عمره الفريق سيد حمدي القائد المصري الأسبق لقوات الدفاع الجوي يجلس في الصالون الملحق بالغرفة، حيث مكث الفريق مع المشير طيلة رحلة الآلام، وكان رئيس الوزراء الأسبق كمال الجنزوري واللواء محسن غنيم هما مثلث الزيارة والإقامة برفقة المريض الكبير.


كنت قد تعرفت على أسرة المشير: السيدة حرمه، والأبناء طارق وأشرف، كما تعرفت على كريماته الفضليات حنان وليلى وإيمان أبوغزالة.

ولقد سمعت الكثير عن حياة المشير من هؤلاء جميعاً فضلاً عن زوج ابنته ـ وأبرز المقربين إليه ـ أنور الدغيدي.

كان المشير قبل الرحيل في زيارة علاجية إلى باريس، وكنت هناك في تلك الأثناء.

وحاول اللواء محسن غنيم جمعنا في لقاء هناك، ولقد حزنت كثيراً لأنني لم أتمكن من لقاء المشير في باريس.

كانت رؤية اللواء غنيم أنه يمكننا أن نصور حواراً تليفزيونياً مطولاً، ونترك توقيت البث للوقت المناسب، أو أن يكون حوار باريس بمثابة لقاء يعادل كتابة مذكرات.

لم أكن محظوظاً مرة أخرى، حين قرأت مذكرات المشير التي كتبها بخط يده، وقد دهشت للمستوى الفني لكتابته وجماليات الخط والتنسيق.. فضلاً عن قوة وخطورة المحتوى في كل فصوله.

أقول إنني لم أكن محظوظاً بكتابة مقدمة تلك المذكرات، ذلك أنها لم تحصل على الموافقات المطلوبة للنشر، وهكذا خسرت العمل مع المشير في حياته وفيما بعد حياته.. من باريس إلى القاهرة.

أهداني المشير أبوغزالة مؤلفاته بخط يده، ولا أزال أعتز بها وأفخر، كما أنني كنت دوماً مستعداً لعرض آرائه ووجهات نظره، ضمن برنامجي التلفزيوني على قناة دريم «الطبعة الأولى»، في الوقت الذي لم يكن مناسباً له الظهور أو الحديث.

إن المجتمع الاستراتيجي العربي يفتقد اليوم عقلاً كبيراً بوزن المشير أبوغزالة، وتعقيدات الخريطة الجيوسياسية للعالم العربي لا يمكن حل طلاسمها أو التعامل مع متغيراتها، من دون مدرسة عربية رصينة في العلوم الاستراتيجية، وعقول عالمية الرؤية على نحو ما كان الماريشال.. في سلطة المنصب وفي سلطة المعرفة.