الاحد - 13 يونيو 2021
الاحد - 13 يونيو 2021

«يحب جيداً وضع السحر»

ليس من الغريب أن يأتي الخطأ من أهل الخطأ، وإنما من الغريب أن يأتي الصواب من أهل الخطأ، وكذلك ليس من الغرابة أن يأتي الصواب من أهل الصواب، وإنما الأكثر غرابة أن يأتي الخطأ من أهل الصواب، فمن المعقول أن تتصرف الوحشية بهمجية، ومن غير المعقول أن تتصرف الوحشية بلطافة! في حين أن من الطبيعي أن تتصف الإنسانية باللطافة، ومن غير الطبيعي أن تتصف الإنسانية بالهمجية! وهكذا مازال البشر يعيشون بين المعقول واللامعقول، وبين الطبيعي واللاطبيعي إلى يوم الحشر!

كان غوتييه دي كوينسي، الملحن والموزع الموسيقي الفرنسي، معروفاً بقصائده المتميزة بين الشعراء، وبتكريس أغلب أعماله لمريم العذراء، من خلال أبيات مدح مطوّلة، وأغانٍ شعبية مخوَّلة، كالعلامة الدينية المسجَّلة، بالأعمال القدسية المبجَّلة، والتي لا تخلو من روح الدعابة، ولا من فرط حب العبادة بكل مهابة، كموازاة للمدرسة المسيحية الأكثر صرامة، ومحاذاة للقوة الروحانية المسيطرة دون غرامة، أي في الاتجاه المتسامح والنابض، بعيداً عن إحساس القلب الرابض، ولهذا تم تعيين العديد من أغانيه التي كتبها في البلاط الملكي، فأصبح نورها قمراً يجهله القانون الفلكي! حيث ركز غوتييه على الجانب الأكثر إنسانية وشفقة ورحمة، واهتم بالعناصر الرئيسية للحياة وسط الزحمة، كما أنه رفض جميع معايير الأخلاق الصارمة، والأساليب الهوجاء والثورة العارمة، والتي من شأنها التمييز بين الطوائف الدينية، ولعل هذا يفسر سبب إصرار دي كوينسي على التعبير بالطريقة الليبرالية عن وجهات نظره وملاحظاته العلمانية، كرد فعل يناهض الموقف المتشدد للكاتدرائية، فقد نظم عدداً من المشاهد المسرحية الهزلية، باعتبار القسوة ضرراً فادحاً على الحياة الروحية، لتشمل الفردية والجماعية والأسرية والمجتمعية، كما سخر من كذب أبطال المعجزات، وكثرة اللصوص وتعدد الجناة، واستنكر من سارقي المخطوطات، حتى إنه استهزأ من لغط بعض رجال الدين.

عموماً، حملت ألحانه أسماء غريبة كثيرة، ولكن أغربها: «يحب جيداً وضع السحر»!
#بلا_حدود