الثلاثاء - 20 أبريل 2021
الثلاثاء - 20 أبريل 2021

«غرنوي».. العُقد القاتلة

في رائعة الروائي الألماني باتريك زوسكيند، «العطر»: (قصة قاتل)، التي تدور أحداثها في القرن الـ18، يستعرض زوسكيند رحلة ارتقاء شخصية «جان باتيست غرونوي» المعقدة، ونهايتها المأساوية.

غرنوي، الذي يتمتع بحاسة شم استثنائية، استطاع من خلالها سبر عالم تصنيع العطور، وطرق تركيبها، وامتزاجها، حتى المقزز منها، الذي مكنه من الخروج من أسفل قاع المدينة البائس، المهمش، ليتحول ــ هو المنبوذ، البائس ـ لأشهر، وأمهر صانع عطور في العالم!.

غرنوي، شخصية تمتلك عُقدها الخاصة، التي وُلدت بها، من كونه طفلاً لم يحمل رائحة الأطفال، ولم يعرف رائحة لجسده، قط، طفل بلا هوية، مطمس اجتماعياً، استغل حاسة الشم الخارقة التي اكتشفها فيه، للارتقاء بذاته، نحو فضاءات أقل نتانة، وبؤساً، تدرج عبر مراحل متتابعة، اكتسب فيها خبرات، وأسرار صنعة صناعة العطور، متسلحاً بحاسته الاستثنائية، وشغفه في كشف سر الروائح التي تعبر أنفه الخارق، الذي استحال فيما بعد إلى هوَس مرضي. لم تبارحه روح خبيثة، ماكرة، دموية، استثارت رغبته المحمومة في اكتشاف روائح الأجساد، أو امتلاك أسرار «عطور الأجساد البشرية»، واستخلاصها، وإن كان عن طريق زهق أرواح الإناث، الفاتنات، اللائي تعثرن في طريقه، لأجل الوصول إلى توليفة «عطره الخاص»!.

غرنوي، وصل إلى استنتاج مفاده أن «من يسيطر على الروائح يسيطر على قلوب الناس»، وهو ما سيلهمه إلى المثابرة في الوصول إلى ابتكار عطر يمكنه من الاستحواذ على البشر وتركيعهم!، غير أنه لم ينجح طويلاً في ذلك، لأن ذاته كانت مكبلة بعُقد، حالت دون وصوله للشعور، الذي من المفترض أن يستشعره مبدع، فذ، مبتكر، حاذق، مثله!.

مرعبة، قاتلة، تلك الذات، المبدعة، أو الإنسانية بعمومها، إذا ما استحكمت منها عقدها الدفينة، وتمكن الشر منها، وبلغت من الاضطراب مرحلة اللارجوع، فتصبح في شريعتها كل الوسائل مباحة، طالما ستصلها إلى مبتغاها ــ أو «هويتها المفقودة»، التي اجتهدت أن تثبتها بطرق عدة، إما بالإزاحة، أو بالخداع، أو الكذب، أو الدجل، أو الحيلة.

فحينما تعجز الذات ـ وإن كانت مبدعة ــ عن تقبل، أو حب الآخر، أو تقبل ذاتها.. حتماً ستنتهي نهاية دراماتيكية، تماماً.. كنهاية غرنوي العطار البائسة!.

#بلا_حدود