الأربعاء - 08 ديسمبر 2021
الأربعاء - 08 ديسمبر 2021

وداعاً.. عام العزلة والحزن

د. مجيب الرحمن
دكتور في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة جواهر لال نهرو ـ نيو دلهي، له مؤلفات وترجمات ومقالات منشورة في صحف عربية وغيرها من الجرائد بالهند.

بينما كنت أكتب هذه الأسطر تمتزج مشاعري بحزنٍ عميقٍ وحالةٍ من الاكتئاب التي قضيت بها عام 2020 ونحن نودعه، فمنذ الصباح لا يفتأ الهاتف يرنّ برسائل التهنئة من الأقارب والأصدقاء بحلول العام الجديد، وهذا تقليد سنوي إرسال وتلقي رسائل التهنئة بحلول العام الجديد، ولكن الجديد هذه المرة هو الدعاء بانفراج الوباء وزوال البلاء.. إن الرسائل توحي بمدى عمق معاناة كل واحد منا، كأننا في ليل طالت كوابيسه وأردف أعجازه وناء بكلكله على صدورنا، والكل يتمنى أن ينجلي الليل بصبح الأمل الجديد.

أستحضر ما قاله لي أحد الكتاب المصريين حين اتصلت به في يونيو لإلقاء محاضرة افتراضية عن تجربته الروائية: «أخي لا أستطيع أن أحاضر في أي موضوع، فالعزلة في ظل كورونا سلبت مني القدرة على التفكير الإيجابي، أنام في معظم أوقاتي».

وقد استغربت حينها هذا الاتجاه التشاؤمي للحياة وقد كتبت عن ذلك في أحد مقالاتي، ولكنني حين أستحضر ما مررت به من تجارب نفسية أثناء العزلة التامة طيلة تسعة شهور ماضية، لا أجدني أختلف عنه، لقد فقدت في الفترة الأخيرة عدداً من الأصدقاء الحميمين، وكبار الكتاب الذين أحببتهم وعشتُ معهم وتمنيت لو عاشوا أطول، وعاينتُ أشد مظاهر المعاناة على الشوارع والأزقة.

تُرى بماذا ستحس لو لاحظتَ طفلاً يستلقي أمام سيارتك وهي واقفة على التقاطع بانتظار الإشارة الخضراء ليقول لك: «لا أستطيع أن أتحمل الجوع، أطعمني أو اِدهسني بسيارتك»؟

أو تسمع أخباراً عن «علماء الدين» ينتحرون بسبب الجوع والفقر، أو سيدة تغلي الحصوات في القدر لتوهم أطفالها الجياع بأنها تطبخ لهم الطعام، أو أمٌّ تقتل نفسها بعد قتل أطفالها بسبب الجوع، فكل من أوتي شيئاً من الإنسانية لا يملك ألّا يحس بوخز الضمير، والذين يملكون حساسية أكبر يعانون من الاكتئاب الشديد.

لقد عشتُ حياتي كلها مع أهل العلم، طالباً ومعلماً، وكأيّ معلم أحبُّ أن أتفاعل مع الطلبة في الصفوف الدراسية وخارجها، وأحاضرهم، أعلّمهم وأتعلّم منهم، وهي أجمل الأوقات التي أقضيها مع الطلبة في الصفوف، ولكن منذ أن فُرضت العزلة علينا واضطررنا لإلقاء المحاضرات عن بعد، نشعر كأننا نمثل أدواراً في مسرحية عبثية.

إن العزلة تقتلنا، نَحِنّ للعودة إلى صفوفنا الدراسية مع طلبتنا، فحياتنا مع الطلبة وللطلبة، ومن دونهم كأنّ الحياة ليس لها معنى.