الخميس - 15 أبريل 2021
الخميس - 15 أبريل 2021

مسقط نبض عُمَان

د. عائشة الدرمكي
أكاديمية من سلطنة عمان، متخصصة في سيميائيات اللغة، لها مجموعة من المؤلفات في التراث وسيميائيات النص، تنشر مقالات في مجلات ثقافية عربية متعددة.
في كتابه (مُدن للناس) يحدثنا الكاتب «يان جيل» عن إدارة المدن من حيث التخطيط والتصميم والتنفيذ والنشاط اليومي للقاطنين فيها، من حيث القدرة المدنيّة على استيعاب الناس وتطلعاتهم، ولهذا فإن الكاتب يبدأ بالحديث عن البعد الإنساني الذي يؤسس لحداثة المدن أو أصالتها أو حتى أدلجتها.

إن تأسيس مدن مفعمة بالحياة والأمان والاستدامة والصحة لن يتحقق سوى بالتركيز على البعد الإنساني في التخطيط منذ البدء، ولهذا يقول جيل: (في البداية نُشكِّل المدن، ومن ثم تُشِّكُلنا).

ولأجل تحقيق الهدف الإنساني في استدامة المدن، لا بد من تمكين الناس من التواصل المباشر مع المجتمع من حولهم، ليتحقق التفاعل وتعزيز الحياة الاجتماعية والثقافية وبالتالي الحياة السياسية والاقتصادية، ولهذا فإن المدن التي استطاعت أن تمكِّن الإنسان وتدفعه إلى الخروج والتفاعل من خلال التخطيط المعماري (وجود أسواق مفتوحة، وممشى، ملاعب، ساحات وغيرها) هي تلك المدن التي حققت الاستدامة الثقافية.


ولأن التخطيط المعماري للمدن هو الأساس الذي تقوم عليه تلك الاستدامة، فإن مدينة مثل (مسقط) استطاعت منذ القدم أن تقدم نفسها بوصفها مدينة مستدامة؛ فقد تم التخطيط لهذه المدينة باعتبارها مركز العاصمة فهي القلب النابض لعمان من حيث موقعها الجغرافي؛ حيث تقع على بحر عُمان، وتحيط بها سلاسل الجبال لتشكل لوحة فنية متكاملة ما بين الجبال المطلة على زرقة البحر، وأشجار النخيل الوارفة، لتبدو بيوتها الأثرية وأبراجها العالية شامخة من بعيد، وهكذا قلعتا الجلالي والميراني.

ولهذا فإن المعمار الحضاري الذي تتميز به مسقط يبدو جليّاً لمن يعرف سور مسقط القديم، الذي يضم ثلاثة أبواب هي (باب المثاعيب) الذي يقع في الركن الغربي أسفل قلعة الميراني، و(الباب الكبير) الذي يقع نهاية الضلع الغربي للسور، بالإضافة إلى (الباب الصغير).

ففي مدينة مسقط يتميز المعمار بالتمازج بين التراث القديم والطابع الحديث العصري؛ حيث نجد المنازل العتيقة والأسواق القديمة بدكاكينها الصغيرة وممراتها الضيقة، وفي المقابل تجد الأسواق الحديثة والطرق الواسعة والفنادق الشاهقة.

ومن أبرز معالم مسقط المعمارية (قصر العلم)، ذلك المعلم الشامخ الذي يحكي شموخ هذه المدينة؛ حيث يستقبل فيه جلالة السلطان المعظم ضيوف البلاد وزوارها الرسميين، والذي يطل عليه من الجهة المقابلة معمار المتحف الوطني العماني، إضافة إلى العديد من المباني المعمارية التي تُعد تحفاً فنية تؤسس أنماطاً حضاريّة لهذه المدينة، فيطلُّ مجلس عمان بشقيه (مجلس الدولة ومجلس الشورى) شامخاً مُعبِّراً عن حضارة عريقة، وفن معماري فريد.
#بلا_حدود