الجمعة - 18 يونيو 2021
الجمعة - 18 يونيو 2021

ثقافتان غائبتان

من النّادر جداً، أن أتدخل لحل خلاف بين اثنين من المقربين، وإن حصل وتدخلت، فأحرص على أن أبقى على الحياد، بلا تحيّز لأي طرف، ولا أتكئ على ادعاءات طرف واحد بل أسمع من كلا الطرفين، لكي أكون على بينة لسبب وجوهر الخلاف، والتقريب ما بينهما، أحياناً أُوفق وفي أحايين كثيرة أٌخفق، وما أعجز عنه أوكله للزمن، فالوقت كفيل لإذابة الخلافات بصورة ما غالباً.

الخلافات واردة بين الأهل، والأصحاب، والزملاء، والأحبة، ولكن، من الأمور التي تعيب خلافاتنا البينية، حقيقة، والتي تزيدها تعقيداً، هو، غياب الموضوعية عنها، فلا نناقش السبب الجوهري للخلاف، بل نتشعب في أكثر من اتجاه، ومسرب، موسعّين دائرة الخلاف بلا داعٍ، كما أن كثيراً من خلافاتنا في حقيقتها لا تتطلب إشراك الآخرين لحلها بقدر ما تحتاج إلى مواجهة حقيقية منصفة من طرفي الخلاف، الرغبة في الاستماع للطرف الآخر، وضبط ردود الفعل قدر الإمكان، فأحياناً تجد أن الشخص يلومك على ردة فعلك تجاهه ويتناسى المسبب الرئيس لردة الفعل ذاته!

كأن تقوم بممازحة صديق صديقك بأسلوب فج ومستفز، ومن ثم تتفاجأ بردة فعله القاسية معك، بينما كان من المفترض احتفاظك بالمسافة، الواجبة بينك وبينه، طالما علاقتكما سطحية، أو رسمية.

من مسببات تأزيم علاقاتنا الإنسانية، والتي تزيد من حدة الخلاف، وتعمقه، وتسدٌّ جميع السبل لحله، هو افتقارنا لثقافتين رائعتين، أو فضيلتين من قاموسنا الأخلاقي، ومن قاموس أدبيات تعاملاتنا إجمالاً، وهما ثقافة الاعتذار، وثقافة الاعتراف، فقليل جداً منا من يعتذر عن خطئه، أو يقر به دون أن تساوره مشاعر المهانة، أوالإذلال.

بطبيعة الحال، لا أحد منا يحب أن يظهر بمظهر المذنب، أو المقصر، أو المخطئ، ولكن، بالمقابل إن أردنا تذويب الخلاف، فعلينا أن نعترف بخطئنا أولاً، ونقر به، ومن ثم نعتذر إن وجب الأمر، فالاعتذار يبقى فضيلة، وقيمة إنسانية راقية، قادرة على تذويب جبال من الخلافات؛ الاعتذار الجميل البعيد عن صيَغ التركيع، والإذلال، وكسر الأنوف؛ طالما القلوب قادرة على الصفح.. على الحب؛ وكل غايتها الصلح والتقارب، لا غير.

#بلا_حدود