السبت - 19 يونيو 2021
السبت - 19 يونيو 2021

ولادة دولة جديدة

عمر عليمات
مستشار إعلامي، كاتب ومحلل سياسي، متخصص بقضايا الشرق الأوسط، عمل في العديد من المؤسسات الإعلامية المرئية والمطبوعة في الأردن والإمارات، كاتب في صحف إماراتية وعربية
رغم أهمية كل ما يجري في أمريكا من أحداث عصفت بالتقاليد السياسية هناك، ووجهت صفعة مدوية لمكانة واشنطن باعتبارها قوة أخلاقية داعية إلى نشر الديمقراطية، فإن مشهد الحصار الإلكتروني الذي فُرض على رئيس أكبر دولة في العالم لا يقل أهمية، لكونه كشف عن الوجه الآخر للشركات المشغّلة لشبكات التواصل الاجتماعي، والتي باتت المتحكم الفعلي بما يصل إلى الناس من حيث المحتوى والتوقيت. من المؤكد أنه لا يوجد أحد يقبل التصرفات التي قام بها الرئيس الأمريكي وتجييشه للحشود ودفعها بشكل لاإرادي إلى اقتحام مبنى الكونغرس، إلا أن التسلسل الزمني للخطوات التي اتخذتها هذه الشركات بحق الرئيس دونالد ترامب منذ 3 نوفمبر حتى اليوم، يشي بأن هناك تداخلاً بين عمل هذه الشركات وتوجّهات إداراتها السياسية.

شركات شبكات التواصل لطالما أعلنت أن هدفها توفير منصات تمكّن الناس حول العالم من التعبير بحرية، وأن تكون جسراً للتواصل، لذلك تغافلت طويلاً عن الكثير من الحسابات المعروفة في مختلف أنحاء العالم بدعوتها إلى الكراهية والعنف والقتل الصريح، وفجأة ومن دون سابق إنذار تذكّرت قوانينها التي خرقها الرئيس الأمريكي، لتقرّر الوقوف في وجهه ومنعه من استخدام شبكاتها.

لا أحد ينكر أن العلاقة بين ترامب وشركات وسائل التواصل الاجتماعي ظلت على مدى السنوات الأربع الماضية غير ودية، ومن هنا، فإن من مصلحة هذه الشركات اتخاذ موقف عدائي تجاه رئيس يبحث عن تقليص نفوذها وتجريدها من أهم ميزة قانونية تمتلكها، وهي الإعفاء من المسؤولية عن أي شيء يتم نشره بواسطة طرف ثالث.


بغض النظر عن وجاهة الأسباب التي دعت إلى حصار ترامب إلكترونياً، إلا أن الأسباب ذاتها لم تمنع هذه الشركات من القيام بدورها عندما عصف مناخ الكراهية والتطرف والعنف ببلدان عديدة أخرى، الأمر الذي يضع مئات من علامات الاستفهام حول الأهداف والمبررات التي تدّعيها بشأن تحكّمها في المحتوى الصادر من الرئيس الأمريكي ومؤيديه.

ما جرى في الكونغرس الأمريكي كشف عن قوة جديدة تتحكم بما يجري في العالم، عبر تسهيلها انسيابية المعلومات التي تدعم توجهاتها ومنع ما يخالفها، ولم يبقَ من حرية التعبير التي تدّعيها سوى الحرية المتعلقة بحسابات التمييع الأخلاقي.

باختصار، نحن أمام صراع جديد تقوده الشركات الكبرى، التي تحارب أي وافد جديد يزاحمها على النفوذ، وأي سياسي يحاول أن يواجه هذا النفوذ.
#بلا_حدود