الاحد - 17 يناير 2021
الاحد - 17 يناير 2021

ضالّون.. ومضلِّلون

د. حميد الكفائي
صحفي وروائي عراقي، متخصص في الاقتصاد والعلوم السياسية. يعمل في تقييم الأبحاث العلمية لمراكز الأبحاث والمؤسسات الدولية. له مؤلفات في اللغتين العربية والإنجليزية. يكتب ويحاضر في العلوم السياسية والاقتصاد والإعلام.
ليست هناك فكرة، مهما كانت غريبة وخُرافيَّة، لا تجد لها أتباعاً ومستقبِلين، وأخطر الأفكار تلك التي تحاط بالقدسية ويربطها مروّجوها بالغيب، حينئذ، لا يستطيع الأتباع، وهم عادة بسطاء، مناقشتها وإبراز عيوبها، فتبدو لهم بمرور الزمن فكرة متكاملة، ويترسخ إيمانهم بعصمة قادتهم، ويتطور عندهم الاستعداد للانقياد والتضحية.

لقد أعاقت ظاهرة استغلال الجهل تطور المجتمعات البشرية منذ فجر التأريخ، والحل الأنجع هو التعليم والتثقيف ولجم المضلِّلين والمستفيدين.

المضلِّلون نوعان، إما مؤمنون بالأفكار التي يروجونها، وهؤلاء يعانون أمراضاً نفسية، ويشكلون خطراً على المجتمع، وإما دجّالون يمارسون التضليل بهدف الاستفادة المادية أو السياسية، وهؤلاء أكثر خطراً.


في أحيان كثيرة، تمكَّن مروّجو الأفكار المتطرفة من السيطرة على جموع غفيرة، وقادوهم إلى الهلاك، بل هلكوا معهم، ولا يقتصر التطرف على دين أو ثقافة، فهو شائع في ثقافات كثيرة، فمثلاً في «واكو» بأمريكا، هاجم المهووس، ديفيد كورش، وأتباعه «مركز جبل الكرمل» عام 1993 واعتصموا فيه لشهرين، ثم أضرموا النار فيه وماتوا جميعاً.

الأفكار المتطرفة، خصوصاً تلك التي تتخذ طابعاً دينياً، شكّلت خطراً على المجتمعات والدول منذ الأزل، لكن النظم السياسية والاجتماعية المتطورة، ووجود أجهزة ومؤسسات لتنظيم المجتمع وتعليمه وتحصينه، ثقافياً وصحياً واقتصادياً، قد قلصت الأخطار، لكنها لم تقتلع الأفكار، إذ لا يزال هناك من لديه القدرة على إقناع البسطاء بالخرافات والخزعبلات، وتحشيدهم لخدمة أهدافه، ما يُبقِي خطر التضليل قائماً.

قديماً، لجأت الدول إلى قمع هذه الظواهر كوسيلة لدرء أخطارها، لكن القمع لم يحل المشكلة، لأنه دفع تلك الجماعات إلى العمل سرّاً، وجلب لها تعاطفاً شعبيّاً باعتبارها ضحية، ما شكَّل خطراً أكبر، أما العمل العلني فيخضع لرقابة المجتمع ومؤسسات الدولة وأجهزتها، التي تتدخل في الوقت المناسب، لكن ضعف الدولة يفاقم هذه الظواهر.

وفي العراق، مثلاً، هناك جماعات تؤمن بخرافات وخزعبلات، وهذه الجماعات المسلحة أرهقت الدولة وأرهبت المجتمع، وشلت حركة التطور، وأرغمت كثيرين على الهجرة أو الصمت.

لا حل سحرياً لمشكلة استغلال البسطاء، لكن تقوية مؤسسات المجتمع المدني وأجهزة الدولة وأنظمتها التعليمية والثقافية والأمنية، تحصن الناس ضد التضليل المتبرقِع بالدين، كما أن تشخيص المضلِّلين وتعريتهم بالحجج والأدلة، ومحاسبتهم على الأضرار التي يتسببون فيها، تحد من تأثيرهم، بينما يبقى نشر العلم والثقافة الوسيلة الأنجع للوقاية من أضرار الضالين وأخطار المضلِّلين.
#بلا_حدود