الاحد - 17 يناير 2021
الاحد - 17 يناير 2021

حين يفقد النظام الديمقراطي.. شرعيته

مارك لافيرني
كبير زملاء البحث في الجغرافيا السياسية في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي بالمركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، محلل أمني سياسي لقضايا الشرق الأوسط.
في عام 1835، نشر المؤرخ الفرنسي «ألكسيس دو توكيفيل» مقاله الشهير بعنوان «حول الديمقراطية في أمريكا»، بعد رحلة قام بها إلى ذلك البلد الناشئ حديثاً، عاد منه بسجلّ مفصل حول النظام الجديد في الحكم، مع إبراز البراعة في تحقيق التوازن الدقيق بين حقوق وواجبات المواطن الفرد والدولة.

ويمكن لكل من تابع أخبار الاضطرابات الأخيرة التي شهدها مبنى الكابيتول في واشنطن، أن يصيبه العجب من مستوى التدهور، الذي آل إليه هذا النظام لأول مرة منذ نشأته، وهو يعتمد على انتخابات حرة يشارك فيها المواطنون لاختيار أعضاء البرلمان الذين يمثلون الأمة، ومواجهة أو دعم السلطة التنفيذية عن طريق الأحزاب السياسية والتي تكرّس مساعيها لإنجاز البرامج والالتفاف حول القياديين الذين يتم اختيارهم عبر صناديق الانتخاب.

وهو النظام الذي أطلق عليه «ونستون تشرشل» حكمته الغريبة: «إنه النظام الأكثر سوءاً لو استثنينا كل الأنظمة الأخرى».


وفي الولايات المتحدة، يمكننا أن نلاحظ أن «الحزب القديم العظيم» أو الحزب الجمهوري، لم يقتله الديمقراطيون، لأن الجولة التي سُجلت فيها هزيمة ترامب كانت قصيرة جداً، بل ربما يكون قد سقط عن طريق تويتر وبقية مواقع التواصل الاجتماعي، وحدث الشيء ذاته في كافة «الديمقراطيات النموذجية».

وكُتب لبعض القادة الفائزين غير المتوقعين في صناديق الانتخاب، أن يقودوا بلادهم إلى مغامرات خطيرة مثلما حدث في قصر وستمنستر، عندما تم تداول الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي «بريكست»، الذي كان من المفترض أن يلعب دوره المتوازن.

وفي كثير من الأحيان، تحظى الشخصيات القوية، باهتمام خاص من الجمهور، حتى لو حدث ذلك على حساب استبعاد الشخصيات العامة الشهيرة ذات الخبرة العريضة.

وفي فرنسا، كان البروز والنجاح المفاجئ للسيد إيمانويل ماكرون نتيجة، وليس سبباً، لانهيار الأحزاب التقليدية بأجنحتها اليمينية واليسارية على حد سواء، ولم يكن اسم حركته الجديدة «إلى الأمام» يعني الكثير، بل كانت أطروحاتها الأولى هي تلك الخاصة بماكرون ذاته!، ولم تكن هناك برامج ولا كوادر كفؤة جديدة، بل هناك قائد فحسب قرر تهميش البرلمان حتى يمارس مواجهته المحفوفة بالمخاطر مع الرأي العام.. وربما كان ما يستدعي المزيد من القلق هو أن التحديات العالمية المنتظرة تتطلب عملاً جدياً وسعياً دؤوباً لتعزيز التعاون الدولي.

وقد تكون «القارة العجوز» أو أوروبا، هي مصدر التوازن على المستوى العالمي، إلا أن الأحزاب السياسية التي تُعد حجر الأساس في الديمقراطيات النيابية لم تفقد قدرتها على معالجة المشكلات الداخلية فحسب، بل وقدرتها أيضاً على لعب أي دور في المشهد السياسي الدولي.

وأصبح النموذج الديمقراطي الذي تم تصديره إلى دول نالت استقلالها حديثاً في أفريقيا ومنطقة البحر الأبيض المتوسط، فاقداً للشرعية في معظم البلدان، ومؤخراً، شاهد العالم صورة مؤلمة للعراك اليدوي داخل البرلمان الغاني الذي كان يعتبر الأكثر التزاماً بالمعايير الديمقراطية من برلمان وستمنستر.
#بلا_حدود