السبت - 25 سبتمبر 2021
السبت - 25 سبتمبر 2021

عبقرية «العبث» الطفولي

تحدثت في المقالات السابقة عن بعض المعضلات الفكرية التي تصل أحياناً لرتبة «أمراض نفسية» في تعامل بعض أولياء الأمور والأقارب مع العقول الصغيرة من الأطفال، بشكل عشوائي تماماً! هو كعنوان مقالي منذ عدة أسابيع «فقرنا المعرفي في التعامل مع العقول الصغيرة»! إن حالة اللامبالاة وعدم الاكتراث بأسلوب تكوّن هذه العقول الجميلة وتبلورها بالشكل الصحيح، له نتائج في غاية البشاعة على الفرد والمجتمع.

من القصص التي تعكس التناول المتخلّف للإبداعات الطفولية الواعدة، تلك الأم التي لاحظت ابنتها تلعب بالموزة بدلاً من أن تأكلها! فنهرتها بصوت عالٍ وقالت لها العبارة المعتادة المكررة منذ عشرات السنين «لا أحد يعبث بالطعام بل هو للأكل فقط».

الأم الجاهلة لم تنتبه لتمتمات ابنتها التي كانت تتحدّث مع نفسها، وهذا أمر طبيعي عندما لا تجد من يسمعك أو يفهمك، بينما كانت تحاول رسم وجوه بقشرة الموز ببعض التعابير المضحكة! ثم بدأت بتجربة الكتابة على الموزة وكان أن نجحت في كتابة بعض أسماء صديقاتها باستخدام الشوكة.

المتخصصون في التربية وتشخيص الإبداع وملايين الأمهات المثقفات حول العالم يدركون أن ما تفعله الفتاة ليس من المقبول بتاتاً أن يتم تصنيفه كـ«عبث»، بل الحقيقة الصادمة أن سلوك الأم هو في منتهى العبث! فالفتاة لديها مخيّلة واسعة من خلال تشكيل الوجوه ومن ثم لديها الجرأة لتجربة أمر ما هي ليست متأكدة من نجاحه.

وهذه هي همّة المبدعين الذين يمارسون التجربة المدعّمة بالخيال لابتكار ما لم يخطر ببال أحد! وبالتأكيد لا أقصد في العبارة السابقة ما فعلته بالموز! لكن سلوكها هذا يُنبئ عن عقلية موهوبة لو تم التعامل معها بالشكل الصحيح لكانت فنانة مبدعة مخترعة قادرة على تقديم إضافات ثمينة لنفسها وأسرتها ومجتمعها.

هناك علامات للإبداع يجب أن نجيد قراءتها بدلاً من أن نجيد دفنها! فالطريقة التي تتشكل بها العقول الصغيرة تخبرنا بشكل ما عن شكل المستقبل.
#بلا_حدود