الثلاثاء - 16 يوليو 2024
الثلاثاء - 16 يوليو 2024

تونس.. وحسابات «الحبيب الجملي»

يخوض الحبيب الجملي، رئيس الوزراء التونسي المكلف، مشاورات مضنية من أجل تشكيل الحكومة الجديدة، لكن وراء لقاءاته الكثيرة ترتسم خطوط خفية تجري بالتوازي مع ما يحدث في قصر الضيافة في قرطاج.

منذ تسلمه رسالة التكليف بتكوين الحكومة يوم 15 نوفمبر الماضي، استقبل الحبيب الجملي غالبية مكونات الطيف السياسي التونسي، وأجرى محادثات مع كبرى مكونات المجتمع المدني، وفي غمرة تلك اللقاءات كان الجملي يؤكد أن «مشاوراته تتقدم بشكل جيد على المستوى السياسي، وعلى صعيد إعداد الخطوط الكبرى لبرنامجها الاقتصادي والاجتماعي»، لكن الحقائق السياسية تفرز مخاوف متداخلة لم تبددها تصريحات الجملي المتفائلة.

الحقيقة الأولى متصلة بليِّ ذراع متبادل بين حركة النهضة وخصومها، فالنهضة فاجأت الرأي العام السياسي حين رشحت الحبيب الجملي لتشكيل الحكومة، حيث كانت الحركة الإسلامية في ذلك تستجيب لضغوط الأحزاب السياسية، التي رفضت الدخول في حكومة ترأسها النهضة، أو التي اشترطت أن يكون رئيس الحكومة مستقلاً عن الحركة، وكانت في الآن نفسه تناور بتقديم اسم من غير قياداتها التاريخيين لكي يسهل لها التبرؤ منه لاحقاً.


لقد ناورت الحركة باختيار الجملي لكي تبدو حزباً يقدم التنازلات ويقترب من شروط خصومه، وهذا الاختيار كان رهاناً من راشد الغنوشي نفسه خلال اجتماع مجلس الشورى، الذي انعقد لتقديم مرشح الحركة لتشكيل الحكومة.


هنا أوحت النهضة أنها أعادت الكرة إلى ملعب الخصوم، وتواترت تصريحات قياداتها القائلة: إن الحركة تنازلت وقدمت مرشحاً «مستقلاً»، وعلى بقية الأحزاب السياسية تقديم تنازلات مماثلة، لكن ذلك لم يحصل لا اعتراضاً على اسم الجملي أو مدى «استقلاليته» عن النهضة، بل أيضاً لغياب الأفكار والبرامج الكفيلة بتحسين وضع البلاد عند حركة النهضة، ومن ضمنت مشاركتهم في الحكومة إلى حد اللحظة.

على ذلك تبدو العقبات السياسية التي تتكدس أمام الجملي، وتحول دون تقدمه في تكوين الحكومة، عقبات مزدوجة، فهي أولاً: صعوبات حركة النهضة ذاتها ومشاكلها وعلاقاتها في المشهد السياسي الراهن، وهي ثانياً: صعوبات تضعها النهضة بنفسها أمام الجملي، حين تحاول أن تملي عليه شروطها في الأسماء وفي الأفكار وفي الرهانات التي ينوي الجملي خوضها في مقبل الأيام.

واضح أن النهضة أحسنت زرع الألغام في المشهد السياسي التونسي، وهي في ذلك لا تستبعد المرور إلى خطط بديلة من ضمنها حكومة الرئيس، وغايتها في ذلك إحراج الخصوم ووضعهم في الزاوية.

وفي كل ذلك لا وجود لأفكار أو برامج لإنقاذ البلاد من وضع يزداد تردياً.