الاثنين - 24 فبراير 2020
الاثنين - 24 فبراير 2020
د. مارك لافيرني
د. مارك لافيرني

أطيب التمنيات.. أسوأ الأخبار

مارك لافيرني
كبير زملاء البحث في الجغرافيا السياسية في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي بالمركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، محلل أمني سياسي لقضايا الشرق الأوسط.
كل بداية لسنة جديدة تكون عامرة ومملوءة بالشعور الوهمي، الذي يوحي بأنها سوف تأتي لنا بما كنا نفتقده في السنة السابقة والسنة التي قبلها، وسوف تتحقق فيها آمالنا وأمانينا بتحسن الظروف والأحوال.

وإن ما يكون متوقعاً، هو أن ما يتحقق على مستوى الأفراد قد ينعكس على الأمم والمجتمعات أيضاً، لأن الآمال المتجددة التي تترافق مع كل بداية جديدة، تكون مبنية على أسس حسن النوايا والتصورات الواضحة للمصلحة العامة المشتركة.

إن الأمنيات الطيبة ليست مبنية على عناصرها الذاتية الخاصة بمن يرتجيها وحده، بل تتعلق بالآخرين أيضاً، كالأقارب والأهل والأصدقاء القدامى وأفراد العائلات الصديقة المنسية، ويحرص القادة على تهنئة مواطنيهم ورعاياهم بهذه المناسبة، ويقدمون الوعود إليهم بتحقيق السلام والازدهار رغم كل المصاعب.


وفي حقيقة الأمر، فإن مفهوم السنة الجديدة بحد ذاته أمر مضلِل، لأنه مبني على أساس تقويم يبدأ فرضياً بولادة المسيح، عليه السلام، حيث يختلف المسيحيون ولا يتفقون على التاريخ الحقيقي للاحتفال به بين يوم 25 ديسمبر و بداية شهر يناير.

وحتى هذان التاريخان غير معتمدين تماماً، ويبدو أن عيد الميلاد أكثر ارتباطاً من الناحية التاريخية بالانقلاب الشتوي الذي يصادف يوم الـ21 من ديسمبر، ولا مجال للشك في أن ميلاد المسيح يمثل في نظر المسيحيين أخباراً طيبة تأتيهم من «المنقذ»، ولكن هذا العيد جاء أصلاً من عيد عالمي أقدم يعتمد على الاحتفال بتعاقب الفصول، وهو الذي يأخذ في الحسبان طول أوقات النهار وظهور ضوء الشمس في سماء النصف الشمالي للكرة الأرضية.

ولهذه الأسباب، أصبحت هذه الحضارات تنظر إلى عيد رأس السنة الميلادية على أنه يمثل بداية جديدة، وهو الوقت المناسب لإعطاء السلام فرصة من خلال هدنة يُفترض من كل الأطراف المتحاربة احترامها والانحناء لها.

إن توجيه الأمنيات الطيبة يجب أن يشمل الأعداء بعد الأصدقاء وأفراد العائلة، ويبدو أن هذه الحقائق والعادات أصبحت في طي النسيان هذه المرة، في ظل ميل غير مبرَّر نحو العنف الشامل في العلاقات الدولية التي تتربص ببعضها البعض.

وحتى الآن، يبدو أن الأدوات المعقدة للتكنولوجيات الجديدة، والحديثة أضحت وأصبحت تُستخدم كحوافز لإشباع الغرائز الأساسية فقط، لا غير ذلك، والفكرة التي تفيد بأن القتل الفردي يمثل وسيلة لتغيير مجرى التاريخ، لا تزال تحتاج إلى دليل وإثبات.

وهذا ما يتطابق بشكل كبير جداً مع اكتشافات مؤسس علم التاريخ الاجتماعي العلامة الشهير عبدالرحمن بن خلدون، الذي استنتج قبل 5 قرون أن «العصبية القبلية» هي التي تصنع التاريخ.

ولهذا السبب المحدد، فإن اغتيال شخص مكروه يمكن أن يقوي مشاعر الانتماء بعيداً عن الخلافات السياسية، التي تفرق الحشود والجماهير في لحظات من التاريخ الإنساني.
#بلا_حدود