الاحد - 12 يوليو 2020
الاحد - 12 يوليو 2020

أم هارون والمطبّعون

محمد الحمادي
صحفي وكاتب ومتحدث وإعلامي، يتولى حالياً رئاسة تحرير صحيفة الرؤية ومنصاتها الرقمية، وهو المدير التنفيذي للتحرير والنشر السابق في شركة أبوظبي للإعلام ورئيس التحرير السابق لجريدة الاتحاد. يحظى بعضوية العديد من المنظمات والجمعيات، حيث أنه رئيس مجلس إدارة جمعية الصحفيين الإماراتية بدبي وعضو مجلس الاستشاريين في قناة سكاي نيوز عربية (أبوظبي). حصل على العديد من الجوائز، منها: جائزة شخصية العام الاتحادية من مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، ووسام وزير الداخلية لخدمة المجتمع، وجائزة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان للعمل الإنساني. صدرت له 4 كتب هي: زمن المحنة (2008)، وديمقراطية الإمارات (2009)، وخريف الإخوان (2016)، والمقاطعة (2018).
لماذا نسمع غضب كل الغاضبين على مسلسل درامي عن اليهود، ولم نسمع أو نرى كل ذلك عند زيارة نائب رئيس وزراء إسرائيلي إلى دولة خليجية؟

وهل التطبيع أن تحكي حكاية في مسلسل درامي عن شخصية عاشت في الخليج قبل نصف قرن؟ أم التطبيع أن يستقبل رئيس دولة خليجية مسؤولاً إسرائيلياً في بلده استقبالاً رسمياً بحرس الشرف ثم يفتح له البلد ليتجول فيه كيفما يشاء؟! نحن بحاجة إلى إجابة عن هذه الأسئلة ونحن نرى الحمية والغيرة العروبية والإسلامية غير العادلة وغير الناضجة التي يدعيها البعض!

ليست المشكلة في يهود عاشوا في دولنا، وليست المشكلة إن كانوا من هذه الأرض أو أنهم جاؤوا من دول أخرى إلى الخليج، المشكلة هي أننا كنا مجتمعات متسامحة وقادرة على استيعاب الآخرين بغض النظر عن دياناتهم ومذاهبهم وأعراقهم، وأصبحنا اليوم نرفض الآخر مهما كان، وللأسف نختلق الأعذار الواهية في كل موقف نتخذه ضد الآخر، لنقنع أنفسنا بأننا على صواب والآخر هو المخطئ وبالتالي نلغي ضمائرنا التي لا تقبل بكل هذا الكره للآخر.


مشكلتنا أننا تعودنا على دفن رؤوسنا في التراب فلا نرى الحقيقة ولا الواقع، ونظن أننا عندما لا نرى كل ما يدور حولنا فإنها ـ أي الحقيقة ـ لا تكون موجودة، أما البعض الآخر فقد تعود على النفاق الاجتماعي، فأينما اتجه الناس سار في ركبهم وجاملهم دون أن يقرأ شيئاً من التاريخ أو يفتح كتاباً فيه معلومة تفيده، ولا حتى أن يبذل جهداً في معرفة من وراء الحملة التي انضم إليها بحماس الجاهل!

المثير للسخرية أن من يقود الحملة ضد أم هارون ويعتبر المسلسل عملاً يهدف إلى الترويج للتطبيع هي قناة الجزيرة التي استقبلت في مقرها نائب رئيس الوزراء الإسرائيلي شيمون بيريز أثناء زيارته للدوحة عام 1996، ثم جعلت العرب يتباكون على أمجادهم ويكيلون الاتهامات لبعضهم البعض ويوزعون صكوك الشرف والعروبة على من يشاؤون، وهذا ليس بالغريب على النظام القطري الذي تعود على التلاعب بمشاعر الشعوب العربية والإسلامية عبر قناة الجزيرة، فعلاقات الدوحة وتجارتها واستثماراتها ودبلوماسيتها مع إسرائيل على مدى ربع قرن لا تعتبره الجزيرة تطبيعاً، وزيارة نائب رئيس الوزراء الإسرائيلي للدوحة، وزيارته لمقر قناة الجزيرة ليس تطبيعاً، وإهداء أمير قطر السابق لبيريز سيفاً من ذهب ليس تطبيعاً، بينما مسلسل يتكلم عن وجود يهودي في الخليج قبل أكثر من نصف قرن يعتبر تطبيعاً؟!

الحقيقة المؤسفة والتي لا جدال فيها أن إسرائيل وهي ترى هذه السطحية من بعض الجماهير العربية ستشعر بمزيد من الراحة وستطمئن على مستقبلها، لأنها ترى ما ومن الذي يحرك الشارع العربي، الذي تغضبه الدراما والخيال ولا تغضبه التحركات السياسية والخطوات العملية على أرض الواقع، فإسرائيل كل يوم تضم إلى أراضيها أجزاء من فلسطين وتستولي على حقوق الفلسطينيين، فلماذا لا نسمع أصوات الغضب ضد كل ذلك؟ أم أن حمية البعض أصبحت ضد التطبيع فقط وليست ضد الاحتلال؟!

لنتذكر دائماً.. إسرائيل أقوى منا بسبب جهلنا.
#بلا_حدود