الأربعاء - 29 يناير 2020
الأربعاء - 29 يناير 2020

طفلٌ في الـ40

يكتب الكاتب ما لا يستطيع أن يقوله لسانه، ويرسم الرسام ما لا يستطيع أن يصوغه بنانه، بينما يعزف الموسيقي ما لا يستطيع أن يعيشه زمانه! حيث تتحدث الموسيقى بما لا نستطيع كتمانه، ولا نقوى على البوح به بأمانة.

وُلد (ألكسندر غلازونوف) الملحن الروسي، في أواخر العصر الرومانسي، فاختلطت نكهة موسيقاه بين الفترة الرومانسية وبين الذائقة الحديثة، لتتحلى بجمال الاختلاف والجهود الحثيثة، بعيداً عن الحرب العالمية الخبيثة، التي تركت أثراً غريباً على شخصية هذا المايسترو المنفرد والمتفرد، فقد جعلته يتأرجح بين صفات الثابت الواثق وبين المتزعزع المتردد، وكأنه الابن الوديع المطيع وأيضاً العاق المتمرد، وربما الملك القوي الغني والفقير الضعيف المتشرد، صاحب الوجه المتشائم الحزين الذابل والقلب المتفائل الزاهر المتورد. هكذا قضى (غلازونوف) حياته في حضن أمه طفلاً، حتى بعد أن بلغ أشدّه وغدا رجلاً، لم يود أن يتركها يوماً ولو للحظة أو لطرفة عين، فالأم هي أول محطةٍ تضم أجمل وأهم المبدعين، ولذلك اعتبر أمه كل جمهوره وأرق المستمعين، بل اعتبرها أرقى الناقدين وأغلى المستمتعين، وبالتالي استمر ينهل حنانها إلى ما بعد الـ40، أي أنه عاش معها وبها ولها بين المعين والمستعين، ولعله لهذا السبب توفي «غَضّاً» في عمر الـ70.

حصل على جائزة فنان الشعب لجمهورية روسيا السوفييتية الاتحادية الاشتراكية، كما قام بجولة في أنحاء أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، إلى أن وافته المنية في وسط باريس مدينة العشق الفرنسية، وكان له دور أساسي في إعادة تنظيم بعض المعاهد الموسيقية، خاصة بعد انقلاب أكتوبر 1917 المعروف بالثورة البلشفية، وهي تعد أول حركة شيوعية فعلية ظهرت في القرن الـ20، لكن بالرغم من نتائجها إلاّ أنه تميز بوضوح أمام جموح المنتشرين.


الموسيقى بحرٌ ليس ماء؛ ولكنها تجعل من كل شيء حياً، والدموع أرض من ماء؛ ولكنها تجعل من كل شيء ميتاً.
#بلا_حدود