الاحد - 20 يونيو 2021
الاحد - 20 يونيو 2021

(غرغرينا) اللحن

اللحن كالموت؛ كلاهما حياة أخرى تختلف عن الحياة المعهودة، ولذلك كل نفسٍ ذائقة «اللحن» بالنوتة المشهودة! لكن دون قتلٍ أو سفحٍ أو دم، وإن كان سبب الوفاة إصبع قدم! فهذا ما آلت إليه الأمور، مع ذلك الملحن «الأمّور»! الإيطالي الأصل والفرنسي الوصل، (جان بتيست لولّي) واضع المبادئ الأولية في الأوبرا الفرنسية، والمشرف العام على الفنون الموسيقية، بأمرٍ صريحٍ ومباشر، ومختومٌ بالبصمات العشر! من الملك لويس الرابع عشر، ولذلك ألّف (لولّي) العديد من القطع التراجيدية، والقصائد الشعرية، وبعض الأعمال الترفيهية أو الكوميدية، حتى أنه أثَّر على «باخ» و«هاندل» من حيث الأسلوب وطريقة التلحين، والجميل أنه ما زال يؤثر بموسيقاه منذ ذلك الحين.

من المعروف أنه كان مليئاً بالطاقة والحيوية، ومكتظاً بأرق النظرات العاطفية، وبمدى جمال روحه الداخلية، رغم قبح ملامحه الخارجية، سواء في أموره الشخصية أو المهنية! ولكنه كان يعاني من الشراهة واضطراب الشهية! والبُعد عن لباقة النبلاء الأخلاقية، كما كان يجهل أهم المهارات الاجتماعية، ويُقال إنه ارتدى زي المهرج وكتب الأغاني الهجائية! فاكتسب الكثير من العداوة التنافسية، وبُغض أغلب الآراء الملكية!

في طفولته تعلّم العزف على آلتي الجيتار والكمان، إلى أن أصبح أعظم مايسترو في ذاك الزمان، ولا بأس إن قلنا إنه الأعظم إلى الآن! فقد اختار الرحيل وفضّل هجر هذه الدنيا، على أن يعيش مبتوراً لا يقود الأوركسترا! حيث جرح قدمه في حفلٍ موسيقي كان تحت قيادته، وبعدها تلوث جرحه حد الغرغرينا رغم أنف إرادته! وهنا رفض تماماً نصيحة الطبيب في عيادته! بأن يبتر ساقه قبل تفشي المرض وزيادته، هكذا حفر (لولّي) قبره بيده، وكتب وصيته وودع ولده، لنتأكد كيف قتله الشيء الذي أحياه، ليحييه نفس الشيء الذي أماته! أي إنه عاش حياته من أجل الموسيقى، ثم مات بسببها! وكذلك أنه توفي من أجل الموسيقى، ثم عاش بسببها.
#بلا_حدود