الأربعاء - 22 سبتمبر 2021
الأربعاء - 22 سبتمبر 2021

رقصة الغجر حتى الفجر

توفيت ملكة تايلاند (ساناندها كوماريراتانا) عام 1880 غرقاً وهي في عمر الـ20! حيث انقلب بها القارب المَلَكي اللعين، في الطريق البحري إلى قصرها الحصين! وبالرغم من تواجد الكثيرين من حرَّاسها وخدمها المخلصين، إلا أنهم جميعاً امتنعوا عن إنقاذها ووقفوا متفرجين، حيث كانت المملكة في ذلك الحين، تنص في دستورها أغرب القوانين، بأن عقوبة لمس الملكة هي «الموت المبين»!

ثمة أمور في الحياة لا تقدر بثمن، ولا تموت مهما عفا عليها الزمن، تماماً كمقطوعة (Czardas) لحن البراعة والامتياز، ونغمة الإتقان والإعجاز، المليئة بالأسرار والألغاز، وتُنطَق (كزارداس، أو تشارداش، أو تشارداز)، كما تُعتبر أفضل عمل وأعظم إنتاج وأهم إنجاز، قام به (فيتوريو مونتي) الفنان الإيطالي المدهش والمبهر والممتاز، صاحب النكهة الغجرية الأولى والوحيدة دون انحياز، ومن دون التردد في صياغة النوتات من هذا الطراز، ولكي تظهر الصورة كاملة في البرواز، يجب على (مونتي) الظهور كقائد أوركسترا عظيم ورصين، وكعازف كمان محترف حر وحزين، بالإضافة إلى ذكر موهبته في كتابة منهج آلة المندولين.

لقد تنوعت أعمال (مونتي) بين كتابة الموسيقى وصناعة الألحان، وبين رقصات باليه ولوحات غناء بلا ألوان، وإن كانت ترسم بلا ريشة على أوتار الوجدان، ولهذا قامت معظم الأوركسترات ذات الطابع الغجري، بعزف مقطوعته الشهيرة بواقعها ووقعها اللابشري! حيث تشرق بجمالها شمس الحس الشعبي، ويبزغ بروعتها قمر الإبداع الأبي، ولهذا تعتبر «تشارداز» الرقصة الوطنية الرسمية في هنغاريا، مع أنها تصطحب خطوات غزلية في بعض الثنايا، حيث يتميز فيها الأداء الفردي بخطى ثابتة، وبثقة ارتجال عالية وببهجة لافتة، لتتحدث مع الروح بلغة صامتة وبلكنة ساكتة!

في عام 1922 اختفت أنفاس (مونتي) الأخيرة من على هذه الأرض، تاركة زخرفات موسيقية تتلألأ على وجنتَي السماء، لترقص الدنيا متمايلة مع أنغام الغجر حتى الفجر.

#بلا_حدود