الاحد - 05 أبريل 2020
الاحد - 05 أبريل 2020

نزف أزرق!

(عزف أحمر، ونزف أزرق، وقلب أبيض، وعقل أسود، ووجه أصفر، وضوء أخضر)، مصفوفة ألوان، لمجموعة إنسان، نجح في الألحان، ورسب في الامتحان، فعزف لوناً أحمر سال من قلبه، ونزف لحناً أزرق سقط من روحه، وأحبَّ كصفاء طفل ناصع البياض، وفكر ظلاماً ثملاً حالك السواد، فمرض خمراً سرطاناً أصفر، ثم مات مستقبلاً طويلاً وأخضر!

كان الملحن الفنلندي «جون سيبيليوس» الأبرز تقديراً، والأقوى تأثيراً، والأكثر تطويراً، والأسرع تغييراً، والأصعب تسييراً، والأدق تصويراً، والأغرب تفكيراً، والأعمق تعبيراً، والأفضل تحريراً، والأقل تحذيراً، والأطول تحقيراً، والأشد تقصيراً، والأسوأ تدبيراً، والأقسى تدميراً، والأدهى تكسيراً، فقد كان (سيبيليوس) ملحناً قديراً، ومفكراً كبيراً، وعازفاً جديراً، ومؤلفاً خطيراً، وصديقاً نصيراً، وناصحاً بصيراً، وحالماً وفيراً، غنياً وفقيراً، ولكنه في الوقت ذاته كان مدمناً كبيراً، وسكّيراً خبيراً! وزوجاً كسيراً، يثمل ضميراً، فيموت كثيراً، وهكذا كتب الكثيرون فيه تقريراً، ولم يكتبوا لتصرفاته تفسيراً! كما لم يحددوا لقصته مصيراً! وكأن سيرته الذاتية عالماً غامضاً مستديراً.

بعيداً عن تكاثف غيوم الحسابات، الشبيهة بحمى المناسبات بلا مناسبة، تبقى الحقيقة الوحيدة المناسبة، بلا دليل أو وجه إثبات، أنه واجه العديد من الصعوبات، وعانى من أندر أشكال الاضطرابات، حيث عاشر فؤاده أخطر أنواع الإصابات، بعد وفاة ابنته ليتوه في العذابات، باحثاً عن الأسئلة ذاتها قبل الإجابات، في منزل فنلندي منعزل وسط الغابات، إلى أن بات رجلاً بالياً بلا رغبات! مكسور القلب كئيباً عديم الثبات، يجيد الموت حياً ويهوى طول السبات!

الجدير بالذكر، أن الجمهور ككل أعجب بأعماله من أول سيمفونية، بل وصنفوه في أعلى قائمة الاختلاف وذروة العبقرية، ثم تأكدوا من تصنيفهم له بعد ملحمة «كالفالا»، ليقروا بأن مؤلفاته صنعت الاستحالة، وفسرت جميع معاني الأصالة، ونقلت العصر الموسيقي من حالة إلى حالة، ولهذا ما زلنا نسمع مقطوعاته تنساب من قطرات أعيننا احمراراً، في حين تتكاثر كريات دمائنا في أرواحنا ازرقاقاً!

#بلا_حدود