الثلاثاء - 14 يوليو 2020
الثلاثاء - 14 يوليو 2020

الحبسي.. راوي الحكايات المميز

د. عبد العزيز المسلم
كاتب إماراتي، مستشار وباحث في التراث الثقافي، حاصل على الدكتوراه في التاريخ والتراث الثقافي، رئيس معهد الشارقة للتراث، أستاذ زائر، له إصدارات عديدة، كتب في معظم الصحف الإماراتية.
التقيته لأول مرة عام 1987 عندما كنت ابحث عن راوي للحكايات الشعبية، فأخبرني أحد الأصدقاء بأنه يعرف رجلا كبيرا في السن اسمه عبيد الحبسي، يعمل (ناطور) أي حارسا لعيادة الأسنان في منطقة دسمان بإمارة الشارقة.

ذهبت ذات صباح إلى عيادة الأسنان وواجهت الرجل عند بوابة العيادة فسألني عن وجهتي، قلت له: أنا بحث عن عبيد الحبسي.

فقال لي: لكن عبيد ليس طبيبا في هذه العيادة!


قلت: اعلم ذلك.

قال: ما الذي تريده منه اذاً؟

قلت: اريد منه حكاية.

قال: هو ليس له حكاية (زد عن كل البشر)، أي ليست له حكاية تميّزه عن بقية البشر.

قلت له: أنا لا أريد حكايته هو، لكني أريد حكاياته التي يحفظها ويحيكها للناس.

قال: اذن تعال (مسيّان) أي قبيل المساء بعد أن يخرج الجميع من العيادة من أطباء ومرضى.

وهكذا تواعدنا بعد العصر فجئته على الموعد، قرابة الرابعة والنصف، كان جالسا على(تخت) كرسي خشبي طويل خارج غرفة الناطور، أمامه طاولة خشبية مربعة الشكل قوائمها من حديد، وعلى الطاولة (دلتين) دلة قهوة ودلة شاي، و (ملّة غسول) إناء خزفي مقعر به ماء لغسل الفناجين و استكانات الشاي.

سلمت عليه وجلست إلى جانبه، ثم صب لي استكانة شاي وله بالمثل، وجلسنا نشرب الشاي ويعرفني بنفسه، ماذا كان يعمل، وكيف جاء من أقاصي رأس الخيمة ليستقر في الشارقة، وماذا يحفظ من أشعار وحكايات وأمثال وهكذا.

روى لي عبيد عدد من الحكايات لأكثر من ساعة، وقد كنت أسجل تلك الحكايات على شريط كاسيت بمسجّل صغير، واكتب بعض الملاحظات في مفكرتي الصغيرة، وانا مستمتع بتلك الصحبة الجميلة مع راوي استثنائي مبدع.

انتهى الوقت الذي قد خصصه لي، لذلك رأيت بأنه كان يحاول أن ينهي الحوار الذي كان بيننا، ثم قال لي بأن بعض أصدقاءه سيمرون عليه للتسامر، فاستأذنت منه أن أذهب على أن أعود مرة أخرى، فأذن لي وطلب رقم مكتبي حتى يحادثني إذا تذكر شيئا.

اتصل بي بعد أيام ليطلب مني زيارته مرة أخرى، لأنه اكتشف بأن احدى الحكايات الطويلة التي حكاها لي، إنما هي حكايتان وقد تذكر تفاصل الاثنتين الآن.. وهكذا فإن المقال مقالان.
#بلا_حدود