الأربعاء - 26 يناير 2022
الأربعاء - 26 يناير 2022

حياة القيصر

قد تُـقيّد الحقيقة كالسجينة أو كالرهينة، فأحياناً لا يكون الذنب ذنب الرياح وإنما السفينة! فقد تكون هشة وكأنها قشة تعاني من الدهشة، لكثرة الزينة والحشو والزركشة، دون الالتفات إلى الأولويات اللازمة للإبحار، كما لو أنها أبحرت بحثاً عن اللؤلؤ دون المحار! ولذلك يجب ألا يقع كل اللوم على العواصف ونهوضها، لأن من لا يستعد للمعركة يجب ألا يخوضها، لنتأكد أن بعض السفن تأتي كما لا تشتهي الرياح، فالنجاح لا يأتي بالخمول والارتياح.

أبدى الموسيقار الروسي (ميخائيل إيفانوفيتش غلينكا) اهتمامه بالموسيقى منذ أن كان في سن العاشرة، ومع ذلك لم يكترث كما يجب بصقل مهاراته في العزف على البيانو بصورةٍ مباشرة، فبالرغم من أنه درس الفن في معهد الرئيس التعليمي، وتتلمذ على يد (جون فيلد) المؤلف الإيرلندي، إلاّ أنه اعتبر ألحانه هواية وليس هوية! حتى أنه لم يهتم بحياته المهنية، كما تأثر كثيراً بالألحان الإيطالية، إلى أن حنّ فؤاده إلى النغمة الروسية، وهنا توجه (غلينكا) إلى دراسة التأليف بجدية، واعتكف لكتابة أهم سيمفونية، ولكن عند وفاة والده حزن وانكسر قلبه، وبعدها تزوج وبدأ بتلحين أول أوبرا له، وأطلق عليها اسم (حياة القيصر)، والتي حصدت شهرة لا تعد ولا تُحصر، ومن سوء حظه لم يُوفَّق في كتابة الأوبرا الثانية، حيث لم تلقَ استحساناً من الجمهور والنقاد ولو لثانية! بل ترافق هذا الحدث المؤسف مع طلاقه، فحد ذلك من قوة عزيمته وانطلاقه! وهنا شعر (غلينكا) بالاستياء الشديد، مما دفعه لمغادرة روسيا من جديد!

يُعد (غلينكا) مؤسس المدرسة الموسيقية الروسية الوطنية، بالرغم من قلة أعماله مقارنةً بزملائه في الأوساط الفنية، بل ويعتبر أول ملحن روسي الجنسية، يصل إلى هذه المكانة المرموقة العالمية، وكذلك أول موسيقي روسي يقبل به خارج روسيا، ومن أهم ما قدّم (أرُسلان ولودميلا، وذكريات من كاستيل، وكامارينسكايا) وغيرها من المؤلفات الأوركسترالية والدينية.