السبت - 17 أبريل 2021
السبت - 17 أبريل 2021

هنا السلام!

تعلَّـقت رؤوس الكلمات فوق اللسان، ورَبطت حول عنقها حبل النغم، فانتـحرت شنقاً كل الأحزان، وربما نَطَقت الشهادة ليستمر الحلم، قالت: «أشهد أن لا حب إلا حب الخير وأن أصل الخير هو حب الغير»، فالثقة بالله هي أساس الثقة بالنفس، أما الكراهية فهي سوء الحظ والنحس! عموماً لا تصف أحداً بأنه سعيد إلى أن يقع في الحب، فالعمر مع من تحب دقيقة، والدقيقة مع من تحب عمر، ولكن البشر متشابه رغم الاختلاف، في حين أن الموسيقى مختلفة رغم التشابه، هكذا تفوهت الموسيقى لحظةً، فأشرقت الشمس فجأة!

عاش ومات في مكان مسقط رأسه، بعدما تغلبت موسيقاه على صوت يأسه، (ألبان بيرغ) المؤلف الموسيقي النمساوي، صاحب النغم الملحمي المأساوي، نشأ في فيينا في أسرة دافئة تحترم النغمة، وتدرك معنى وقيمة النعمة، ولذلك ترك في طفولته ألعاب الصغار، واعتنق التأليف وأجاده مثل الكبار، بتشجيع من والده المحب وشقيقه الأكبر، بعيداً عن مرار الواقع الأغبر، واستمر تحت رعايتهما إلى أن كبر أكثر، وحينها التحق بوظيفة في دار البلدية، حيث عمل فيها بكل جهد وجدية، ثم تتلمذ على يد الموسيقار (أرنولد شونبرغ) الذي أحب وفاءه وإخلاصه، فقد بقي (ألبان) مخلصاً لأستاذه حتى يوم خلاصه، وبعد أن فرغ من دراسته الموسيقية، شق طرق الحياة الحقيقية، فعمل في مجال التدريس والتأليف، وكان مجتهداً بذاته دون تكليف، بعدها تزوج ولكنه ما لبث أن التحق بالخدمة العسكرية، واستمر يخدم وطنه إلى نهاية الحرب العالمية، ولعله لذلك ألف مقطوعة «هنا السلام»، وكأنه أراد أن يختصر كل الكلام.

امتلأت سنواته الأخيرة بعدة اضطرابات صحية، إذ مُنعت أعماله رسمياً مع قدوم النازية، بل اعتبرت نموذجاً فاسداً للفنون التقليدية، وبالرغم من تكالب الصعوبات المادية، وتضييق خناق العزلة الفنية، سعى (بيرغ) في ألحانه إلى المثالية، فأتت في غاية الوداعة والشاعرية.

#بلا_حدود