الثلاثاء - 18 مايو 2021
الثلاثاء - 18 مايو 2021

تاريخ الخلود.. في موكبٍ يختزلُ الزمن

منذ عقود لم نشهد حدثاً مهيباً يكتنز هذا الزخم من العظمة والتاريخ والحضارة والفن والجَمَال وتكدّس القصص القديمة المرويّة حول الجدل والإبهار لملوكٍ كانوا منذ آلاف السنين، مركز السلطة الأقوى على كوكب الأرض. بنوا حضارةً أعجزت العقول والقلوب في عصرهم، واستمرّت في إدهاش العالم حتى اليوم، حدثٌ كهذا لا يليق به أن يحصل إلا في مصر.. أم الدنيا وأم التاريخ والحضارة، البلد الذي أعشقه بكل جوارحي.

الموكب الأسطوري شهد نقل 22 مومياء ملكية مع توابيتهم وممتلكاتهم، من المتحف المصري بالقرب من ميدان التحرير إلى المتحف القومي للحضارة المصرية في أول عاصمة إسلامية في مصر «الفسطاط». المومياوات تنتمي إلى عصر الأسرة الـ17 و18 و19 و20، من بينها 18 مومياء لملوك و4 مومياوات لملكات، وتضمّنت مومياوات الملوك رمسيس الثاني، وسيتي الأول، وسقنن رع. وأما الملكات الأربع، فهن أحمس نفرتاري، والملكة تي، وميريت آمون، وحتشبسوت.

هذا الاحتفال الفاخر بالمجد المصريّ القديم العريق، فجَّر في دواخلي كما حصل للملايين، عشرات الأسئلة الممتعة في صياغتها وطرحها والبحث عن إجاباتٍ لها! والأروع كان التبحّر في عالمٍ ساحر من الإجابات عن أسئلةٍ نجهل صياغتها وأدواتها! فقط الكثير من المتعة والدهشة والفخر بجانب سيلٍ غزيرٍ من المعلومات التي نسيناها والمعلومات التي لم نكن نعرفها والحقائق التي يوجدُ على قيد الحياة من لا يصدّقها أصلاً! هنا تكمن البراعة في فن الخلود.

ما هو الخلود؟ حضارياً أقول إن هؤلاء العظماء حققوا معادلة الخلود التي أرادوها حينما احتفى بهم العالم بعد أكثر من 7000 عام، وأصبحوا حديث القاصي والداني، وحافظوا على عشرات الأسرار العلمية التي ما زالت تُحيّر العلماء حتى اللحظة! ما شاهدناه ينتقل من متحفٍ لآخر، كنوزٌ تفوّقت قيمتها على الزمن والمنطق ومدارات الخيال.

هؤلاء العظماء آمنوا بالخلود وقرنوه بخلود الشمس التي تغيب ولا تموت! وفي إيمانهم عشرات الدلالات البلاغية والمجازات المفتوحة التي رفعت راية التحدي أمام الزمن. كَتَبَ الملك «خيتي الثالث» لابنه «مريكارع»: لا تضع ثقتك بعدد السنين، لأنه بالنسبة لمعبودات ساحة العدالة، فالحياة ليست إلا ساعة، ويحيا الإنسان أيضاً حتى بعد أن يصل إلى أبواب الموت، تُوضع أعماله بجواره كأنها ثروته الوحيدة، فالوجود في العالم الآخر أبديّ، وليس بعاقل من لا يكترث.

#بلا_حدود