الخميس - 17 يونيو 2021
الخميس - 17 يونيو 2021

فاضي شوية!

من أهم مميزات المثقف الحقيقي هو القدرة العفوية على قياس درجة حرارة الذوق العام واستطلاع تقلّباته ومعرفة التحوّلات الحاصلة فيه والتيارات السريعة والمتدرّجة التي تضع بصمتها الجزئية أو الكُلية على السواد الأعظم من أفراد المجتمع. في هذا الصدد لا أؤمن بالمصادفة أبداً.. فعلى سبيل المثال لا أؤمن أن استمرارية الحياة الثقافية والفنية والقدرة على مواصلة الأعمال خلال الجائحة في الدولة كان من قبيل المصادفة ! فمواطنو الدولة والمقيمون فيها كانوا يتمتعون بجاهزية عالية من حيث المعرفة والتعليم والمهارة والثقافة والمرونة للتعامل مع تسيير الأمور من خلال البنية التواصلية المتقدّمة في الدولة، وإدارة أولوياتهم وأوقاتهم وإيجاد معادلة توازنية مناسبة بين العمل والعائلة خلال فترة البقاء في المنزل.

فنياً وثقافياً.. كنتُ مستمتعةً بمراقبة الشعبية والانتشار المتزايدين لرائعة حمزة نمرة «فاضي شوية» التي لامست الـ110 ملايين مشاهدة! ولا أعني أن عدد المشاهدات المعيار الأول أبداً.. لكنه مؤشّر داعم. فالانتشار أهم وهذا مقياسه الناس بكافة خلفياتهم وأذواقهم وأحاديثهم وتعليقاتهم، بجانب تفاعل نجوم الفن أنفسهم مع العمل بشكل يندر حدوثه.

لماذا نجحت الأغنية بشكل فاق توقعات صاحب العمل نفسه؟ إنه المزاج الجمعيّ العربيّ العام في هذه المرحلة من الزمن، أنه العطش الاجتماعيّ المستشري فينا والاكتئاب الانعزاليّ الذي تكاثرت أسبابه حولنا! سبب نجاح الأغنية الأقوى هو الحاجة الاجتماعية والنفسية والعاطفية الشديدة للفكرة الأساسية للكلمات والرسالة فيها! الكلمات تُقدّم الأمل بثوب بسيط مترابط مع مفردات ساحرة مثل «نشرب قهوة» «نكتة جديدة» ! المزاج العام بحاجة لصيانة مُكوّناته المزاجية التي لا تكتمل بدون القهوة والضحكة المرافقة لها!

المشاغل والتحديات لا تنتهي أبداً.. لكن المنحنى القادر على تحسين المعنويات وتعديل المزاج هو ذلك «الشخص» الذي نستمتع بلقائه والحديث معه.. هو ذلك «الشخص» الذي نضحك معه من قلوبنا بغض النظر عن موضوع الحديث!

يقول باسكال مرسييه: لم يعد سبب الضحك أمراً مهماً.. وحده الضحك في حدّ ذاته مهم. أعتقد أن الرابط بات واضحاً بين عناصر المعادلة. ابحثوا عن هذا «الشخص» وابقوا بقربه على الدوام، وإذا استطعتم أن تكونوا أنتم هذا «الشخص» فلكم حبي وتقديري وامتناني حتى لو لم أعرف أسماءكم.

#بلا_حدود