الثلاثاء - 30 نوفمبر 2021
الثلاثاء - 30 نوفمبر 2021

الجاهل عدو نفسه!

خليفة جمعة الرميثي
كاتب إماراتي حاصل على درجة الماجستير التنفيذي في القيادة والتطوير من جامعة هارفارد، وبكالوريوس الإدارة الدولية من الولايات المتحدة، له كتابات في العديد من الصحف المحلية والمجلات العربية.
حاول لص سرقة بنك في وضح النّهار وأمام الكاميرات وبدون إخفاء وجهه، وقد تم إلقاء القبض عليه بسرعة بعد نشر صوره في كل مكان، وعندما سأله المحققون، لماذا لم تحاول إخفاء ملامحك أو لبس قناع؟ كان جوابه صادماً للجميع، عندما قال، إنه شاهد في الأفلام أن الجواسيس كانوا يستخدمون عصير الليمون كحبر سري لإخفاء المعلومات وبذلك يصعب كشفها، واستغرب بدوره كيف استطاعت الشرطة أن تتعرّف عليه حتى بعد أن دهن وجهه كاملاً بعصير الليمون!

واستهوت القصّة بعض علماء النفس من أجل دراستها بشكل معمق، فتساءلوا من أين حصل هذا اللص على كل تلك الثقة؟ وكيف لإنسان أن يتخذ قراراً جريئاً كسرقة بنك، لمجرد فكرة إخفاء ملامح وجهه بعصير الليمون؟ ولماذا لم يحاول أن يتأكّد من صحّة هذه المعلومة؟ أو حتى يسأل أو يستشير أشخاصاً آخرين؟

وبعد بحث وتقصٍ لقصص مماثلة، خرج علماء النفس بمصطلح في علم النفس يسمى Kruger effect Dunning وينص هذا المصطلح على أن الإنسان (بطبعه جاهل) ولكن بعض البشر يكون «أشد ثقة في جهله» عن الإنسان الفاهم أو الخبير، بسبب غروره.


وتوضح هذه الدراسة أن الجهل يصيب الإنسان (بالعمى عن جهله)، حيث يكون غير مدرك مدى قلّة خبرته ودرايته، وللأسف يعيش هذا الإنسان في (جزيرة أفكاره) بكل سعادة، ويصور له خياله أنه لا يوجد حلول أخرى غير تلك الفكرة التي صنعها وأنه يملك قمّة المعرفة الموجودة، وهذا عكس الشخص الواعي صاحب الخبرات المنوعة والذي يستوعب أن هناك أماكن أخرى (غير جزيرة أفكاره)، موجودة في الحياة ومطلوب منه أن يبذل الجهد ويبحث للوصول إليها.

ولذا يمكن أن تتسبب الثقة الزائدة بالنفس في العديد من المشكلات التي تواجه الشخص في حياته، سواء الاجتماعية أو العملية، مما يجعله يفقد الكثير من الأفكار الجيدة، وتجعله لا يرى أخطاءه، وبالتالي لا يتعلم منها أبداً. وهذا لا يعني أن احترام الذات والثقة بالنفس من الأمور السيئة، ولكن إذا زادت عن حدها ستؤدي إلى ما لا تحمد عقباه.

هل استوعبنا لماذا بعض المسؤولين والمديرين يتخذون قرارات جنونية؟ وحينما تسأله ألم تفكر في عواقب قرارك؟ ألم تستشر أحداً؟ يقول: «لم أتوقع أن يحدث ذلك»، لأنه كان يعيش ويدير أموره من جزيرة الجهل التي تعطيه الثقة العمياء في نفسه، لذلك تقول الحكمة إن الجاهل عدو نفسه وأيضاً ما خاب من استشار.