الجمعة - 03 ديسمبر 2021
الجمعة - 03 ديسمبر 2021

على أعتاب التقاعد

عبدالله النعيمي
عبدالله النعيمي كاتب وروائي ـ الإمارات
فكرة التقاعد المبكر عن العمل تراودني من حينٍ لآخر، وكلما حاولت تجاوزها.. أجدها تلتف حول نفسها، وتعود من جديد.. والأمر الذي دفعني للتخطيط لحياة ما بعد التقاعد وما يمكن أن أقوم به خلال ساعات الفراغ الطويلة.

اعتاد الإنسان العربي أن يتعامل مع لحظة التقاعد على أنها موت نفسي، يسبق الموت الجسدي.. وبدلاً من أن يستمر في كونه إنساناً فاعلاً في الحياة وصاحب قرار.. يتحول فجأة إلى إنسان على الهامش، يتأثر بقرارات الآخرين.. وهذا النمط من التفكير شكل بمرور السنين ثقافة خاطئة، جعلت من هذه المرحلة بعبعاً يحاول الكثير من الموظفين تحاشيه أو تأخير الاصطدام به بكل الطرق والوسائل الممكنة.

ولتصحيح الفهم المغلوط لهذه المرحلة، يجب أن نسأل أنفسنا:


هل نحن نعيش لنعمل.. أم نعمل لنعيش؟

وسؤال فلسفي مثل هذا، لا يمكن أن تتفق الآراء حوله.. فهناك من يرى في العمل جوهر الحياة الإنسانية، وبدونه تصبح الحياة بلا معنى.. وهناك من يتعامل معه على أنه وسيلة للكسب، ومتى ما توفر الكسب أصبح الأمر خياراً شخصياً، وليس ضرورة.

في كلتا الحالتين، الإنسان المتوازن يدرك أن مفهوم العمل لا يصح حصره في إطار الوظيفة، أياً كان نوعها.. فبمقدور الموظف أن يستمر في العطاء حتى بعد تقاعده ومن يصلون إلى هذا الفهم لا يمكن أن تشكل مرحلة التقاعد قلقاً بالنسبة لهم.. لأنهم يدركون أن إسهاماتهم في الوجود مستمرة، سواء مع الوظيفة أو بدونها.

في المقهى الذي أكتب فيه مقالاتي صباح كل جمعة، ألتقي بصفة دورية بمدير سابق أحيل إلى التقاعد منذ فترة، وما زال حتى يومنا هذا يقتات على ذكرياته القديمة.. يتحدث بحماس عن القرارات الحاسمة التي اتخذها في السنوات الخوالي، وساهمت – حسب زعمه – في تطور المؤسسة وزيادة إنتاجيتها.

لا أعلم حقيقة إن كان كلامه دقيقاً، أم فيه بعض المبالغة، لكني على يقين أنه لم يحسن الاستعداد للمرحلة التي يعيشها الآن، ويواجه صعوبة في التأقلم معها.

وعلى العكس من هذا المدير، أتابع بمتعة كبيرة نمط حياة متفرداً يعيشه أكاديمي بارز بعد تقاعده، ويشاركنا ومضاتٍ منه عبر تطبيق تويتر.. يتنوع ما بين السفر، وتسلق الجبال، وحضور الندوات، ومتابعة كل جديد في عالم السينما والنشر.

النموذجان السابقان متقاربان في العمر، لكنهما متباعدان في الفكر.. الأول يقاوم اللحظة التي يعيشها الآن.. أما الثاني فيتعامل معها بقبول ورضا تام.