الجمعة - 03 ديسمبر 2021
الجمعة - 03 ديسمبر 2021

الشيطان يعزف أيضاً!

ليس السؤال متى بدأت حالة الشر تسوء، وإنما متى كان الشر على ما يرام؟ فالحسد ليس أكثر من غرفة انتظار طويلة إلى حين دور الإعدام، حسناً لا بأس فهذه ليست فلسفة الوجود، ولكن النجاح حتماً يطفئ حريق الحقد بالوقود.

بدأ الإيطالي (نيكولو باغانيني) دراسة الموسيقى في سن السادسة على يد والده عازف «الماندولين»، ذلك الأب الذي اجتهد ليجعل من ولده عازفاً ماهراً بين جميع الموسيقيين، ولكن قلب الابن تعلق بآلة الكمان بشكل كبير، وبالتالي أحرز تقدماً مدهشاً في وقت قصير، بل ألّف أول قطعة موسيقية «سوناتا» وهو لم يتجاوز الثامنة من عمره، وفي سن التاسعة أقام أول حفل ليحتار الجمهور في أمره، ثم قام وحده بجولة موسيقية في عدّة مدن إيطالية أدهش فيها المستمعين.

بعد ذلك درس باغانيني العزف على «الغيتار» وتعلم أسس التأليف والتلحين، وهكذا أصبح عازف الكمان والفيولا والغيتار الذي لايضاهى في عصره، بالرغم من أنه زعم بأن الشيطان هو من ساهم في نصره!


حتى إنهم طبعوا صوره ونسخوا اسمه في كثير من أنواع المأكولات وبعض المقتنيات، وبات (باغانيني) سيد الحكايات الغريبة ومركزاً للإشاعات والخرافات، إلى أن سجنوه رجال الكنيسة واتهموه بالتعامل مع الأرواح الشريرة وإغواء الناس، غاضين البصر عن قدراته الفنية وعزفه المليء بالإحساس، معتقدين أنه من أصل شيطاني أو أنه نفسه ابناً للشيطان، بسبب مظهره الغريب ومهارته الفائقة وحركاته المثيرة للألحان.

فالهالة الشيطانية أحاطت بحياة باغانيني كميثاقٍ أسطوري يصوّر عبقريته في الكمان، وفي 2013 صنع فيلماً عنه باسم The Devil’s Violinist، وتدور قصته في قالب من السيرة الذاتية حول حياة عازف الكمان الإيطالي الشهير، والتي كانت حياة صاخبة لا تخلو من المغامرات في سبيل الفن والتميز، بالإضافة إلى بعض التفاصيل من حياته العاطفية، وقصة الحب التي جمعته بابنة أحد المدربين البريطانيين، ويختم العمل بنهاية مأساوية رغم كل العطاء الفني والإبداعي الذي قدّمه.

ولم يكن (باغانيني) غريباً على شتى الأمراض المزمنة من دون تحليل طبي واضح وصريح، وبالرغم من ذلك ما زال العالم اليوم ينصت إلى ألحانه ويتخيلها تُعزف من فوق الضريح، وهكذا بقي (باغانيني) لغزاً عجيباً يكمن جماله في انعدام التفسير والتوضيح.