الجمعة - 03 ديسمبر 2021
الجمعة - 03 ديسمبر 2021

عودة المسافر

عبدالله النعيمي
عبدالله النعيمي كاتب وروائي ـ الإمارات
من ذكريات الماضي الجميل، التي لا تزال حاضرة في القلب والذهن معاً.. صديق عزيز كان شديد الارتباط بالحي الذي يقطنه، ووثيق العلاقة بالناس الذين ولد بينهم ونشأ معهم.. كان صديقاً لمن هم في مثل سنه، وباراً بمن هم في عمر آبائه وأجداده، وكانت الأجواء يومها مهيأة لمثل هذه العلاقات الطيبة الوطيدة، التي يذوب فيها الفرد في محيطه الاجتماعي.

مرت السنين وكبر صديقي.. وابتعث للدراسة في الولايات المتحدة، وليلة السفر حرص على مصافحة كل المصلين في مسجد الحي وأخبرهم عن سفره.. فودعوه بحب، ودعوا له بالسلامة والتوفيق.

وبعد شهور طويلة، عاد المسافر.. وكان يظن في قرارة نفسه أن أهل الحي يفتقدونه كثيراً، ومشتاقون لرؤيته وأنه بمجرد دخوله المسجد ستشرئب الرقاب لرؤيته، ويتسابق الجميع للسلام عليه واحتضانه، لكن شيئاً من ذلك لم يحدث، ودخل كما يدخل الجميع وغادر كما يغادرون.. ولم يهتم بأمره سوى نحن ـ أصدقاءه المقربين ـ أما الكبار، فكانوا منشغلين بشؤونهم الخاصة.. ولم يفطنوا لعودته إلا عندما لاحظوا حرارة مصافحته لهم، ومشاعره المتدفقة تجاههم.


صديقي شكا لي يومها صدمته من أهل الحي وخيبة أمله فيهم.. وأنا في المقابل رأيت المبالغة من الجانبين، مبالغة من أهل الحي في اللامبالاة والانكفاء على الذات، ومبالغة من صديقي في العاطفة ورفع سقف التوقعات.. فالحياة بطبيعتها تمضي ولا تتوقف لغياب أحد، والناس بطبيعتهم لا يتذكرونك إلا وقت حاجتهم إليك وبمجرد غيابك وانتفاء المصلحة منك، لا يكترثون لأمرك، وهذا بالمجمل وتبقى هناك استثناءات نادرة.

اليوم.. وبعد سنين طويلة من هذه الحادثة ازدادت الحياة تعقيداً وازداد الناس إنكفاء على أنفسهم، حتى العلاقات بين أفراد العائلة الواحدة، لم تعد كما كانت في السابق، وما أن يتجاوز الطفل العاشرة، حتى يكون له عالم خاص به، فيه أشخاص لا يعرفهم أحد سواه، تسللوا إلى حياته عبر منافذ عدة.. الألعاب الإلكترونية، ومواقع التواصل الاجتماعي.. وأفكاره تكون أقرب إليهم من إخوانه وأخواته، يشاركهم أفكاراً وأسراراً، لا يشاركها والديه أو أشقاءه الذين يقيمون معه تحت السقف نفسه، وتمضي ساعات اليوم وأيام الأسبوع والشهر والسنة.. وكل فرد غارق في عالمه الخاص ولا يلتفت للمحيطين به.

قبل شهور قليلة تعطلت تطبيقات إنستغرام وفيسبوك، فخرج الجميع من غرفهم المغلقة، وتشاركوا المساحات العامة في المنزل، في مشهد بدا غريباً وغير مألوف.. وكأن صيرورة الحياة جعلت من الاستثناء قاعدة ومن القاعدة استثناء.