الجمعة - 03 ديسمبر 2021
الجمعة - 03 ديسمبر 2021

أسرار "بوتشيني" العظيم

اسمعوني جيداً، بكثير من آذان قلوبكم ولا ضير من آذان عقولكم! فلقد توفيتُ قبيل ليلة البارحة على ما أظن، واختلط ظلي بما كنت أشعر به أو أكن، فغطيت ما تبقى مني بغبارٍ مصنوع من الفنون، وبقليل من بهاراتٍ تحمل ملح هذيانٍ وسكرٍ مجنون، ثم جلست أتوسل للسلم الموسيقي بأن يعيدني إلى أول درجة، وحينئذ فوجئ بانغماسي في الموسيقى إلى هذه الدرجة، فارتبك وارتعشت يداه وهو يضع بين يدي "مفتاح صول"، أخذته وفتحتُ به باب العودة دون الحاجة إلى الوصول، فأصبح بيني وبين الحياة كالاسم الموصول، ولعل هذا هو السبب وراء مقولة (جياكومو بوتشيني) الموسيقار الايطالي والعبقري الأوبرالي: {الفن هو نوعٌ من أنواع المرض}! فيا ترى ما سر ذلك؟ وما هو الهدف أو الغرض؟

في الواقع كان (جياكومو بوتشيني) يميل إلى الموضوعات التي تفسح له المجال لإبراز مشاعره وتعابيره الإنسانية، حيث كان يصبها في قالبٍ موسيقي خلاّب تنساب منه ألحاناً ترتدي ملامحه الفنية، ليسكب بنفسه شتى الأحاسيس مباشرة من القلب إلى القلب، ومع ذلك لم تؤخذ أعماله المكانة المرموقة بين الشعب، فقد استصعبها بعض الجمهور ولم يفهمها جيداً، وبالتالي بدا ملحناً محترفاً عبقرياً ومقيداً!

مع أنه ولد حراً وإن كان طفلاً يتيماً، وربما كسولاً قليلاً ومشاكساً لئيماً، إلا أن والدته البيولوجية التي وضعته، وقفت إلى جانبه ودفعته وشجعته، وحذرته من الاستهتار بموهبته الفذة ومنعته، واستمرت إلى جواره وكانت أول من سمعته، هكذا إلى أن غادرت الحياة وودعته، فالجدير بالذكر أن (جياكومو) خامس طفل من سبعة أبناء لوالديه، وحين كان فقط في السادسة من عمره فقد أغلى ما لديه، وكانت أسرته تأمل أن يحل محل والده المتوفي والعازف على الأرغن ورئيس الجوقة الغنائية الكنسية، ولعله لذلك غنى في جوقة الكنيسة بصوت صادح (سوبرانو) في سن العاشرة بكل احترافية ومهنية.


بعناية شديدة اختار (بوتشيني) قصة أوبراه الأخيرة، ودأب على كتابتها حتى لفظ أنفاسه الأخيرة، حيث لم تثنه إصابته بسرطان الحنجرة عن الاستمرار في التأليف، ولكن وفاته المفجعة حالت دون إتمامها من دون تكليف، فقد اضطر المسكين إلى التوقف عن الكتابة، وبالطبع لم يستطع أحداً لومه أو عتابه، وذلك لخضوعه لعملية جراحية في الحنجرة، انتقل بعدها بأيام معدودات إلى المقبرة، ليبقى الأمل أجمل جملة معبرة.

أحياناً، الإصابة بالمرض تحفز الرغبة في استمرارية العيش، والإصابة بالفن تمنع الرغبة في استمرارية الموت.